بسم الله الرحمن الرحيم والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته..
أما بعد،
ربما هذا عملي الرقم عشرة في مسيرة كتابتي -للروايات-، ليس لدي حقا ما قد أقوله كبداية لك مع هذا العمل .. لا تحذير .. لا ملاحظة .. لا أود أن أقدم انطباعا بعيدا كليا عن حقيقة مسار الرواية، لهذا استمتع .. تأكد من أن تستمتع، إنني انشره فقط ليستمتع الآخرين كما فعلت -أنا-.
بالنهاية .. سأصرح بكل ما يعج خاطري من أقاويل حول العمل، أدركت أن النهاية دائما هي أفضل وقت للاعتراف .. لقول الحقيقة .. لكشف المستور، حينها تكون اللحظة -مثالية!-.
وكي لا أنسى .. لا تشارك هذه الرواية مع شخص آخر، لا تقترحها على أصدقائك .. انظر لهذا العمل كسِرّ .. يخصنا أنا وأنت -فقط- .. دع هذا العمل يندرج بقائمة الأعمال المدفونة .. أنا أوده أن يكون مدفون، يكفيني بضعة زوار .. قلة!، 'الحقيقة .. عملي نوعا ما يعاني من الرهاب الاجتماعي فلا تخيفوه بكثرة الأعين |T-T|'
نلتقي هناك بإذن الله!!
[2025-03-12| .. |كانت معكم مـاسِـهْ..]
𝐑𝐔𝐒𝐒𝐈𝐀 || 𝐌𝐎𝐒𝐂𝐎𝐖.
𝟐𝟎𝟏𝟓.𝟐𝟑.𝐌𝐚𝐲 || 𝐀𝐭 𝟐𝟑:𝟓𝟏.
- الكعكة قادمة!
صراخ أنثوي أنذر الحشد من أجل تأمين الطريق والحذر لما تحمل بين يديها .. طبق لكعكة دائرية من طابقين بكامل زينتها .. -كعكة عيد ميلاد لا سيردا ڤايلز لإنهائها ثمنية وعشرين سنة من الحياة هذه الليلة!-، صاحبة الحفلة صاحت بغبطة مع باقي أصدقائها الشباب والشابات مشاركين إياها الفرحة، يستدير جميعهم حول تلك الطاولة المستطيلة والكبيرة كفاية لعددهم ... كل جالس قام واعتدل واقفا مستعدا لهذه اللحظة المهمة، كؤوسهم بأياديهم محمولة ... وبحواف الطاولة صحون بلاستيكية تؤنس جلستها أشواك.
ترددات موسيقى القاعة ما لحقت الركن الذي اتخدوه وتم استئجاره فقط من أجل هذه الليلة، وبما أن طبق الكعكة أضحى متمركزا أمام صاحبته .. أصوات الحاضرين أضحت التردد الوحيد الذي يطغى على القاعة بأسرها .. بداية من مَن هم حول الطاولة وانتشر بين من في الهوامش في ثانية، مرددين بنطق واحد وتصفيق موحد.
- عيد ميلاد سعيد .. ڤايلز!
العبارة الاولى تنفرج من شفاههم هادئة ليتجاوز اسمها التقليد مجبرا إياهم على رفع النبرة، علق ثغرها في تشكيل ابتسامة واسعة .. راحتيها تشاركهم التصفيق لنفسها دون قدرة على إيقاف موجات الضحك التي غمرتها، الشعلة النارية من فوق رقم عمرها الذي توشك على إنهائه .. تنعكس حمرتها بمقلتيها المتسعة مسرة بهذه اللحظة.
- هيا أغلقي عيناك .. وتمني أمنية، لم يتبقى غير ثلاثين ثانية لبداية يوم جديد!
كف حبيبها طبطبت على ظهرها .. يعلمها بهمس فامتثلت لقوله في الحين، جفنيها اضمحلت ببطئ ولحواف فستانها شدت متفكرة بأمنيتها ... حاولت التركيز عليها متجاهلة كل الصخب الذي يحومها.
- ثمانية! .. سبعة .. ستة .. خمسة .. أربعة .. ثلاثة! .. اثنان .. واحد!
عدهم التنازلي واكبه طرق الطاولة مع كل رقم ينطق .. إلى أن آنت اللحظة وانحنت تطلق أنفاسها بقوة على الشعلة، كانت الوحيدة التي راقبت صعود ذلك الدخان الضئيل .. من أسفل رموشها تتخيل صعود أمنيتها السرية عبرها .. نحو الاعلى ... بشكل يتجاوز سقف الاسمنت الذي فوق رؤوسهم .. أما تصفيق الحاضرين وصفيرهم فقد اشتد!
أمنيتها التي كانت عامة لأول مرة .. بعيدا عن أمنياتها السابقة التي تميل للتخصيص بأشياء محددة، فكل شيء راودته به نفسها تتلمس وجوده بحياتها فارتأت اختبار أمور جديدة! .. مميزة! .. والأهم أن تكون ممتعة! ... "..أتمنى أن تصبح حياتي مليئة بالمغامرات أكثر بعمري هذا ... بعيدا عن كل الممل الذي قضيته ...".
تردد صدى أمنيتها من الفص الأيمن لرأسها نحو فصها الشمالي ... ترود بينهما لثوان حتى اختفى الصدى وعادت مسامعها تستقبل أصوات الواقع.
- هيا هيا الآن لنلتقط الصور!
اتكأت على جانب الطاولة بساعديها .. تخلق وضعية مناسبة لصديقتها التي رفعت هاتفها، تلتقط صورا لها مع كعكة عيد ميلادها قبل أن تتسابق الصحون الجائعة مطالبة بحصتها! .. أضواء الفلاش كانت تنار بكل ثانية من أغلب الحاضرين كذلك .. ملتقطين صورا لبعضهم وأنفسهم كتذكار.
- كولتن تعال لنلتقط صورة معا!!
سحبت ذراع حبيبها -كولتن- تشد عليها بين خاصتها بود، فقد كان مسؤولا عن تقطيع الكعكة التي نجحت بتخليد ذكراها وهي حية .. والآن هي مجزئة توزع بين ذوي البطون الجائعة، لهذا حاولت ألا تقتطع من وقته الكثير.
مال جسده قربها .. كما تحركت مقلتاه للتحديق بها و-فلاش!- ... تردد صوت وميض الكاميرا بلا توقف اتجاههما .. بوضعياتهما العفوية والابتسامات تحتل الوجوه.
الأضواء الملونة تسللت فيما بين المنعمين بلحظات الجنون تلك .. الضحكات تتخلل جل حواراتهم ... والمسرة من أعينهم اللامعة تهمع، بتلك اللحظات .. واقع كل واحد منهم خارج المبنى بانتظاره، المشاكل وعقد الحياة كلها مصطفة جوار بعضها في ذلك الجو بارد .. تراقب تساقط ندف الثلج لفترة من الزمن علها تشغل نفسها إلى حين عودة ضحاياها لواقعهم.
النشاط الذي كان ينبعث من مقيمي الحفلة جذب اهتمام باقي الحاضرين داخل القاعة .. فأصبح كل شخص يلمح ڤايلز يزف تهانيه عليها، ملكة الليلة كانت ... ورجلها الغيور بذلك غير معجب، لهذا لزم جوارها .. لم يفكر حتى بتركها تطؤ مكان رائحته ليست به، كالأسد يود أن يحذر أترابه لمن هي تعود!!
الكاميرا المتموضعة بحواف الجدران تسجل كل شيء ... بشاشتها السوداء الصغيرة تنعكس الأضواء ولمعان فساتين النساء أسفلها، كل الصور تصل بوضوح في شاشة تلك الحقيبة الالكترونية أمامه، عيناه الحادة تتبع خاطفة الأضواء دون كلل ولا ينعكس على بؤبؤتيه غير أضواء الحفل ولمعان الليزر، يتكئ بذراعيه على ركبتيه في حركة مريحة له ... عبرها يستطيع أن يضخ كل تركز على هدفه كما لو يشاهد برنامجًا تلفزيا مثيرا للحماس ... لكن ملمحه الجامد لم يعبر عن أي نوع من الأحاسيس.
أصوات أكل ترددت قرب مسمعه .. اقتربت اكثر شيئا فشيئا حتى أضحت القرمشة تضرب طبل أذنه، ورائحة الملح الباردة تخترق اجيب انفه .. هذا جعله يدير مقلتاه للمصدر مستغربا .. فأعادت -ناتيا- عدّ خطواتها للخلف بعيدا عنه في حين أن غرتها تهتز مع كل حركة تصدرها .. أما عن ثغرها فعمل على إطلاق بضع القهقهات الجافة، انسجامها مع ما يشاهدانه جذبها للتدقيق بشيء ما .. حتى تجاوزت الحدود بلا إدراك.
- إنك توجه الشاشة بأسرها اتجاهك فأين لي مجال لأشاهد أنا أيضا!
بررت نفسها بنبرة خافتة وما لرد منه تلقت، فتجاوزت الموقف سريعا والتفت تحمل بين يدها لوحا الكترونيا .. اخدت تمرر سبابتها عليه، ثغرها لايزال يعمل على كسر المكسرات التي ترميها إليه ... فيُكسر سكون الغرفة بالقرمشة العالية التي تصدرها.
- حقا هناك شيء بها يحيل أنها جندية سابقة من المستوى الرفيع! ... بئس سلوكها الذي لا يوافق مهاراتها .. عملة ذهبية تؤذي عينك بلمعانها!!
ملف يحمل معلومات كاملة عن حياة المعنية بحديثها ينعكس تقليبها لصفحاته على زجاج نظاراتها الطبية .. تعيد النظر لتفاصيله تأكدا من عدم غفلانها لأي نقطة.
- إنها حبيبتي السابقة.
اعتراف -كوريليان- أصاب المستمعة بالاختناق .. إذ تسللت احدى المكسرات لحنجرتها متجاوزة مرحلة الطحن والكسر بين اسنانها خطأً، فاحتاجت وهلة لتنقذ نفسها ولأنفاسها تستعيد .. أما عنه فما اهتز قلقه حول وقع الصدمة عليها.
- المزاح لا يعرف طريق كورساكورف .. فهل تاهت بك الطرق إليه؟ هذه ليست بمزحة ولا أقرب لها حتى! ... هذه أحد أسوء نقط ضعفك حقا.
علقت تصارحه بشفافية متخدة مجلسا جواره .. لذات مكانها السابق حيث تركت مسدسين لها .. كلاهما مفكك على الطاولة الزجاجية المقابلة لموضعها.
- من قال أنها نكتة؟
تمتم بانزعاج للتكذيب الذي تعرضت له كلماته وهي بعدُ غير مصدقة.
- أعني كيف لك حتى أن تخرج نكتة من شائعة تافهة كتلك؟ .. يستحسن أن تقوم ببعض الدورات التعليمية عن كيف ترمي نكتة تقتل المتلقي بالضحك لا بالاختناق!
بطرف عينها لمحت حركة منه .. تترقب رده للكلام المازح الذي ألقته -عله يضحك!-، إذ به دوي طقطقة سلاحه تردد ونحوها أشهره .. ألحاظه المستشيطة غيظا تحدجها كفوهة ذلك المسدس، مستعدة للإطلاق عليها مباشرة حيث جبينها لو استمرت بنطق سخافتها الغير مضحكة له.
- أعيدي قولك؟
تصلب جسدها بوضعيته ولقناع اللهو عنها رمت تاركة ملمحها عاريا .. بلا اي شعور واضح، فقد تداركت العاصفة السوداء التي تحومه .. مشحونة بالسخط، فلا مجال للسماح لمجاري مزاحها بالمرور.
أنقذ لحظتها طرق مجهول لباب الغرفة .. وقد تلاه طرق كعب أسود للأرضية اثر دخول صاحبته، استجمع كوريليان نفسه واقفا واهتمامه همع عليها .. أشار لها لتقفو أثره بطاعة، فكان مجمعهما بأحد أركان الغرفة الراقية ... وناتيا بلا اكتراث لهما استمرت بتجميع مسدسيها بعد أن عادت أطرافها للعمل، فأخدت تتأكد من استعدادها الكامل وحملها التام لحاجياتها.
الأسد عن لبؤته ضاع ... وما هي مدركة لغيابه، الفتيات حولها في حلقة هي مركزها .. يعشن لحظتهن تحت جناحي -النيرفانا- المؤقتة، خصلاتها الغرابية تداعب من الهواء الناتج عن هزها لرأسها يمينا وشمالا مع ترددات الموسيقى وهن بتصفيقاتهن يعززن لها.
- عيد ميلاد سعيد ڤايلز! ... ڤايلز!! ... ڤايلز!!
انتهاء نشاطهن أعلى صدى ضحكاتهن بين ترنيمات الألحان .. ليتفرق مجمعهن وكل لحيث تستعيد بضعا من طاقتها اتجهت، ڤايلز وبضع صديقتين لها تحركن للعودة حيث ركنهن .. إذ بصديقة أخرى كانت بانتظارها بالفعل، سحبتها جانبا تبصق لها ما بجبعتها من خبر وبسبابتها تشير في الهواء.
- لقد أخبرني كولتن قبل وهلة وحسب ... يود لقياك خارج الحفلة ..!
- أين؟!
صرخت ڤايلز بعدم فهم مبعدة خصلات شعرها عن أذنها .. كما لو كانت الغطاء الذي يمنعها عن التقاط كامل كلامها، لكن إعادتها للقول جعلها تستوعب رسالتها .. فأومأت بادراك تام لحديثها مغادرة قاعة الحفل، تعدل حزام حقيبتها على كتفها وبكفها الأخرى كأس زجاجي تحتضنه اناملها برقة، مسار وجهتها مخطط بفكرها .. فكانت تتبع المخطط وحسب. وبعد تجاوز عدة أروقة توقفت بها ساقيها بركن لطلب ملئ كأسها.
- سأدفع ثمنه!
يد رجولية سبقت خاصتها لتدفع بدلا عنها، وبنظرها للفاعل التفت لتكمل وجهتها دون كلمة .. لذا القلب الطيب، فصرخ بها هذا الأخير.
- ڤايلز! .. أحقا ستغادرين هكذا بلا أي تعبير عن امتنانك؟
- ليس وكأنني فقيرة طلبت دفعك لمشروبي .. أنت من اخترت.
حصل هو الآخر على مشروب له باستعجال لتتبعها إلى أن استطاع مواكبة خطواتها، حاول جاهدا سحب انتباهها وهي حيث ما وُجد لبصرها أشاحت.
- هيا نحن زملاء عمل .. رغم كل الشجارات لابد من المجاملات الودية أن تمر بيننا!
خطواتها توقفت عن التقدم في غفلة منه .. وعادت نحوه تحاصره مع الجدار رغم طوله عنها بإنشات، تلك الشرارة التي اندلعت من مقلتيها الحادة والهالة السوداوية .. هزت تباثه.
- جافن .. الليلة ليلتي ... فلا أود من استفزازاتك السخيفة أن تكسر حسن مزاجي وهب عني فإنك لشَرّي بعد ما لقيت!
كان تهديدا مباشرا جعله يهز رأسه بتفهم .. فقط حتى تبتعد عنه وتفك حصارها له، وما إن فعلت .. وتنفس .. وعاد شعور الأمان إليه قاطع رحيلها بخبره.
- كنت أود فقط إيصال خبر لك عن حبيبك كولتن!
ذلك الحاجز الذي رماه كسر من قبلها دون مبالاة لمقصده ... أكملت طريقها لوجهتها، تاركة إياه مكسور النفس والعزة للقمع الذي تعرض إليه .. إلا أنه ما استسلم.
وصلت حيث وجَّهَتها الأخبار بأن حبيبها بانتظارها .. لكن ما من أحد، خالجها استغراب أثقل وتيرة سيرها .. وأسرع من تفحص مقلتيها للأرجاء بحثا عنه، تلقائيا يدها تحركت لتفقد هاتفها .. لعلها تلقت رسالة منه وما انتبهت .. مكالمة ما ربما؟
- أنت حقا لا تصدقينني! .. هو ليس هنا!!
جافن خلفها .. حيث حطت قدميها خطى، غير مفارق إياها وهي له تصد .. ترميه بنظرة قاسية فيزداد عبوسه.
- أعني .. أعلم أنك تكرهينني ... وأنا أكثر!
- فأقل علَي بهرائك واتركني وشأني!
باغثته باستدارتها إليه حتى اختفت انفاسه بلا ادراك منه .. أما جسده فقد انسل للخلف في ثانية اثر القبضة التي كادت تلكمه، كان باستطاعته التقاط تمتماتها باللعنات عليه .. تخرج من بين اسنانها المصطكة بسخط لازعاجه.
- لقد رأيته مع إحداهن! .. غيرك طبعا.
خلاياها أطلقت انذار أسقط بوصال مشاعرها أرضا ... قدميها أمسكت مكابحها وإنتباهها إليه وجهت، منحته الإشارة ليكمل .. ذلك ما جعل الغرور يدغدغ أرنبة أنفه فهز رأسه مفرجا عن ابتسامة نصر ... كفيه عدلت ثيابه الأنيقة كما عدلت أطرافه وقفتها، وبعد خطفه لنظرة سريعة لمن حولهما أطلق إشارته الخضراء لتتبعها.
كانت خلفه .. هادئة كالسلام، جافن يسبقها بخطوات .. وبين الفينة والاخرى يطل عليها من فوق كتفه، يأخد فكرة حول وضعها .. ولا تعبير ساعده على تخيل مزاجها، باردة كما عهدها ... تحتاج وحسب لمحلول حتى تتفاعل معه .. وتنفجر، دماغها أصابه سكون مريب ... لا افتراض يقدم جواب لما هي تساق إليه .. -تساق إليه- من طرف جافن.
سيره تعرقل بالتفافهما لذلك الرواق الذي لمحه به .. حتى أنه تلقائيا سحبها للاختباء، فما عاد يظهر منهما غير الرأس المثقل بالفضول.
- لايزالان هناك بنهاية الممر!
علق بخفوة ومقلتاه قد عبرت عن اندهاش صادق خالجه، ما أدركه أدركته .. وما أبصره أبصرته، وصدى سقوط بلورة الثقة التي كونتها تجاه كولتن .. يتردد من باطن مسمعها كفحيح حاد .. تلاه صخب وقوعها أرضا .. وانتشرت شظاياها التي هجرها النور منذ تحركها من مكانها .. أضحت سوداء تطلع للصخر بلا قيمة ولا فائدة، إنهارت كل ظنونها ومعتقداتها .. نظرتها لابن جيرانهم .. من كان حبيبا، أثقل أنفاسها من هول الصدمة.
ألحاظها اتخدت نظرة قاتلة بينما اندفعت نحو الثنائي .. في مسار مستقيم نهاية شعاع يشير على ظهره لا غير .. "ظهر كولتن .." .. ذلك اللباس "لباس كولتن .." .. تلك الضحكة "ضحكة كولتن .."، لم تنتظر قَطع تلك الثلاث خطوات التي بقيت بينها وبين جسديهما ... أو حتى طلب حجج إضافية حتى تصدق الأطروحة التي تقابلها، كفها الممسكة لكأسها قد شدت بأناملها عليه وتحركت دون أن تدري .. مواكبا لقولها بازدراء.
- حقا يا كولتن! .. ابن الماما خاصته يعرف كيف يخون!
🎀
صرخة أنثوية ترددت بين تلك الجدران وأشلاء الزجاج تناثرت بالأرجاء، أنفاس حارة تمر مع رأتيها .. الدماء تسرع المرور بعروقها، قبضتيها أمسكت ذراعه وفي لحظة حلق جسده مع الهواء ليرمى أرضا بقسوة جعلت جافن المشاهد من بعيد يتأوه ألما بدلا عنه ... أما الفتاة لارتعابها من هذه السلوكات العنيفة استمرت بالصراخ .. كإنذار حريق ما سدت ثغرها!
كولتن شعر وكأن الكهرباء انقطعت .. أو ربما أحدهم أغلق الأضواء!، أسفل رأسه ظهر خيط رفيع من الدماء الحمراء، نسبة الأوكسيجين حوله تنخفض شيئا فشيئا ... أما ڤايلز فقد توقفت تستعيد ما خسرته من أنفاس لحمله .. وأبعدت عنها ما أزعجها من خصلاتها السوداء .. متعمدة تجاهل الشابة التي ترتعش خلفها، فاتخدتها هذه الاخيرة فرصة لانقاذ نفسها والهروب ... -زحفا- إذ فشلت ساقيها بحملها.
- من .. أغلق الأنوار؟ .. من .. الأنوار! ... أُمـ ماي؟؟
كانت ترديدات كولتن تصل لمسمعها وهي في خضم خلع حقيبتها .. لكن بشكل ما قررت اعتراض قرارها فعلِقت بفستانها لثوان ضاعفت غضبها.
- ها؟ .. من أغلق الأنوار؟ ... دعني أعلمك شيئا قبل أن تعود -لأماك!-.
عيناها أظلمت وبأطرافها ما عادت تتحكم .. كانت لحظة -انفجارها- ... تلك اللحظة الحقيقة التي يعرفها جافن عنها، تلكم وتركل كل ما ظهر لها من كولتن .. فرفع ذراعيه لحمايته قدر الامكان رغم ثقل حركته .. تكور حول نفسه تلقائيا، وبالختام وجدت نفسها تشد على رباط حقيبتها الذي ادارته حول رقبته، وثغرها يهسهس للذي لمعت ألوان الطيف بمحياه.
- أترى الانوار الان؟ .. هل تراها!؟ ... أجل .. إنه نور الموت!
جافن تدخل -فعليا- وأخيرا بيديه مبعدا اياها عنه ... فبداية .. هو اقترب بحذر على نفسه .. يرمي كلمات عابرة راجيا تهدأتها من بعيد، فما نجح.
إدراك ڤايلز لقبضتيها الملطخة ببعض الدماء، علاوة على تلك البركة التي تكونت أسفل جسد -الخائن-، جعل نار غضبها تضمحل ببطئ إلى حين اختفائها .. استسلم جسدها لفعل الجر الذي أقيم عليه من قبل جافن، تاركين الشبه مغمى عليه للغرباء الذين وفدوا اليهم لتوهم، رمى عليهم جافن بعض الحقائق حول ما حدث .. يضمن بذلك ... بنسبة متوسطة، عدم ولوج اسم ڤايلز بسجلات خطيرة مع الشرطة أو أمن المبنى.
🎀
- كدت ترسلينه للسماء وترسلي نفسك حينها للسجن! .. هل لك عقل هنا حتى؟
عتابه ظل يمطر عليها، لم يتوقف إلا دقائق للتنهد .. استرجاع روحه .. واستجماع افكاره، هي دافعت عن نفسها ... ولمرتين هي ترددت عن الاستمرار في هذا الرحيل والعودة لكسر عظام الخائن، فترجع عن قرارها ذاك بفضل تكتيكاته المخادعة لتهدئة أعصابها عن التركيز بما سبق ووقع.
- ما قولك أن تخرجي لحيث الهواء الطلق .. عل الراحة تزورك؟
نبرته الخافتة رقيقة على المسمع .. تخلج المستمع براحة ورغبة لاستقبالها مرة أخرى، بين يديه كفها المجروح يمسح من عليه بقايا الدماء بلمسة دافئة .. مقلتاه على ما يفعله ترتكز وهو في خضم تقديم اقتراحه للتي تستنشق وتزفر أنفاسها بثقل، ألحاظها لمعت بتردد لما طرحه .. لتهز رأسها بإيجاب تقبل اقتراحه، ربما فكرة العودة للحفل حالا .. بوضعها هذا، سيفاقم دفقة عواطفها مستقبلا .. لهذا يستحسن أن تسمح لها بالرحيل اولا قبل العودة لحيث -النيرفانا- بانتظارها، فدس المنديل بقبضتها مبتسم الألحاظ.
- هيا بنا!
همسه لحقه تحركهما لوجهتهما. موقف جافن الآن أضرم شعلة خفية تمثل نظرتها الجديدة عنه، ذلك الزميل الذي كل منهما في استعداد لأي هجوم من الاخر .. كل من حولهما يلتقط الرائحة الكريهة للعداوة التي تنبعث من علاقتهما، هو الآن يتصرف بود .. مرتبك وحذر بانتقائه لكلماته عكس طبيعته العدوانية والفظة، إلا أن شعلته ما كانت بقدر شعلة كولتن لتلتهم خلاياها بالكامل.
قارورة المياه التي حصل عليها وهما بطريقهما كانت من نصيبها، بتلك الشرفة الأشبه ببار مصغر يحط الهدوء أوتاده ... السكينة تتخلل الحاضرين القلة فيكسره عزف الرياح الشبه قوي عبر الاعمدة المعدنية التي وضعت له، الأجواء باردة تطلع للجو القارص .. وما هي بمتحسسة لأي برودة فبصدرها حمم بركان انفجر بعد ما حدث، لا العين فاضت .. ولا الفاه اشتكى، احبالها عند اسمه تُقطع .. فلا حرفا تنطق، لهذا هي بكل دقيقة .. ترتشف من القارورة لتبلل حنجرتها وعسى الاشواك التي علقت بها تمر بمساعدته، فقد أقنعها جافن بعدم أخد أي مشروب كحولي حاليا على الأقل!
جالس جوارها يضم يديه ولما يقابله يحدق .. ما جذب أية اطراف حديث بنية منحها لحظتها الخاصة بعيش صدمتها براحة، غير انه استغرب لعدم صدور أي صوت منها، لا دمعة لمح بطرف عينه ولا شهقة التقط! ... فكان الفضول يبصق بوساوسه ليستدير كاملا ويرى حالة وضعها.
عَكْس وضعيته هي كانت عائدة للخلف .. ظهرها مدعوم بالكرسي ورأسها مطأطأ ما اعاقه على رؤية ملمحها جيدا، القارورة التي منحها إياها قبل دقائق بحِجرها، بقيت بها بضع رشفات وحسب، فارتأى أن اللحظة المناسبة للمغادرة قد حانت!
- ڤايلز .. أتودين العودة لحفلتك الآن؟
أخدت ثوان لتلتفت إليه بألحاظ شبه نائمة .. فارتعشت جوانب شفتيه بابتسامة خفية، ڤايلز لم تقل حرفا .. لم تصرح برأيها ولا ردت، تصلبت بذات وضعيتها الجديدة في حين أن جافن استقام .. وضع حقيبتها على كتفها وعدل سترتها الخفيفة على كتفيها .. امسك قارورة المياه أسفل إبطه وسحبها خارج ذلك البار. يمسك احدى ذراعيها ويوجهها.
- دعينا نعدك لحفلتك .. لابد أنهم يبحثون عنك!
دماغها ميت .. اطرافها تتحرك بلا أمر منه، بل تواكب تحركات الدماغ المتلاعب الذي جوارها، ساقيها بين الخطوة والأربع تصبح هلاما .. فيعجل جافن بامساكها ومساعدتها على المشي بطبيعية، علاوة على ذلك رأسها استمر بالتأرجح شمالا .. يمينا، فاشتد الوضع على جافن قلقا من توقف تشغيل جسدها قبل أن يصل لهدفه!
بذات الطابق التف مع الممرات ومقلتيه الزرقاء ما توقفت عن الدوران حول محيطهما .. يراقب المار .. العميل والعامل .. كل من رمت عليه وساوسه بريق الشك، ولجا معا لحيث الباب المتوج بإشارة حمام الرجال .. إلا أن الطاقة التي ستحملق بها حول الجدران وتلتقط التفاصيل .. التهمها جافن المختنق بهواجسه.
نهاية الحمام الواسع يتكئ رجل أصلع الرأس ... يشاهد جافن الذي تنهد بتعب بعد وصوله، أبعد قبضته عنها فهوى جسدها أرضا .. بلا حراك، حينها نثر الأصلع سيجارته واستقام من مكانه.
- هاهي ذي! ... أموالي الآن من فضلك.
جافن من بين أنفاسه نطق وهو يدعك رسغه، الرجل تجاهله .. طرق باب مرحاضين جواره .. أحدهما انفتح بذات الأوان ليظهر رجل آخر، بشكله الخارجي الذي يوحي لرجال العصابات، أما الباب الآخر فما انفتح ولا صوت منه صدر.
- وأخيرا تم صيد الثعلب الذي أرهق الكلاب!
كلماته الساخرة تم نطقها وهو ينحني حيث هي .. هز رأسها بنوع من التقزز، كما أبعد بضعا من خصلاتها التي سترت خلقتها .. نغز وجنتها بامتعاض .. كما لو كان يستكشف مجسما بلا حياة، رفع رأسه ختاما يسترسل جافن الذي تسللت لقلبه خنقة للتمطيط الذي يقومان به هذان .. يشعر بأنهما يتعمدان تأخيره!
- كم جعلتها تشرب؟
- القارورة بأكملها .. الآن هي بين ايديكم، الاتفاق من جهتي وقد تم فأين هي اموالي؟
- هيه أنتِ؟ .. هل تسمعينني؟؟
تجاهله رجل العصابات أيضا .. اما الأصلع فقد عاد لمجلسه مخرجا سيجارة أخرى له .. دون أي اكتراث لحوارهما، ڤايلز بعد النداء الصارخ الذي تلقته .. والهز القوي الذي تعرضت له تحركت ... رفرفت جفنيها مصارعة لفتحها، إلا انها تعود للانغلاق بلا اي امر منها، تود الحديث لكن لسانها متصلب بداخل فاهها.
جافن قلقه ما ترك مسامعه .. يهمس له باستمرار، فكان يلف رأسه بكل ثانية تفقدا للمدخل، يخاف قدوم أحدهم ... ربما احد العمال فَيُتَّهم بمحاولة خطف التي من المفترض ان الرجال الاخرين هم من ينفذونها!
-إن كنت عالقا مرر لي النقود التي معك!
الأصلع أردف بخشونة نبرته ما إن انتبه لتأخر زميلهم .. هز بابه مرة أخرى بقسوة وانحنى لحيث تلك الفجوة التي بالأسفل، ادخل يده وتحاشا التقاط أي نظرة لما بالداخل، الجواب ما أتى .. وقبل ان يتدارك ذلك ... على حين غرة هربت من بين شفتيه صرخة رجولية .. متألمة للدعك القوي الذي بوغتت به كفه، هذا جذب انتباه الآخرين .. حتى ڤايلز، لمحت من بين جفنيها كعب اسود يضغط على كفه، فيزيد من زئيره، دقاتها الثقيلة تهز قفصها الصدري بكل ثانية ... والنوم على شفا إلتهام آخر خلايا مستيقظة بدماغها.
- ما المشكلة معهما؟
رجل العصابات غمغم دون مغادرة مقعِده .. واكتفى بلف انظاره بسخط للازعاج الذي يصدره صديقيه، يعلم انهما لا يكتفيان من المزاح السخيف لبعضهما .. لم يشك باي شيء، عكس جافن الذي سريعا ما نزل ارضا يتفقد ما يحدث لكف الأخر، فارتفع بدله جسد ڤايلز في غفلة منهم ... مرفقها ارتفع يعيد لف رأس القريب منها لعكس اتجاهه، وزحفت بآخر ذرة قوة حافظت عليها إلى المرحاض تغلق على نفسها .. صدرها مختنق ووعيها على وشك خذلانها، فتحت حقيبتها تحت صوت الطرقات التي تكاد تكسر الباب ... اناملها بكل لحظة ترتعش .. يصيبها شلل، فتعض شفتها السفلى بأمل إعادتها للحياة.
قلبها ينبض بثقل .. وبكل نبضة يهتز قفصها الصدري مقابل الصخب الذي كان يثيره الرجال خارجا، هاتفها المشع بانذار لتلقيه اتصال من شخص ما غادر حقيبتها بعد معاناة، وهنا قررت أطرافها خذلانها .. ما عادت لها قدرة على تحريك أي جزء منها، علاوة على ذلك .. لم تدر إن كان هذا بسبب لحظات إغمائها حانت أم أن صخب الرجال خارجا اختفى فعلا، ظلت تلتقط بضع أصوات خفيفة تتردد بين الفينة والأخرى ... وأوضحُها نقرات كعب مع الأرضية .. "هذه نهايتي حتما!".
[2025-04-19| .. | كانت معكم مـاسِـهْ..]
𝐑𝐔𝐒𝐒𝐈𝐀 || 𝐍𝐎𝐆𝐈𝐍𝐒𝐊.
𝟐𝟎𝟏𝟓.𝟐𝟒.𝐌𝐚𝐲 || 𝐀𝐭 𝟎𝟖:𝟎𝟑.
كان المنزل نائما .. وحيدا بين اسوار عالية من الشجر، تمنع عنه ضجيج الجيران حتى لا ينصت لغير تهويدتها الهادئة، الشمس تطرق نوافذه وما من مستجيب، بتلك الغرفة القابعة بأحد أركان الدور الثاني يتردد صرير خفيف نابع من المروحة وهي تستدير ببطء، نوافذ هذه الغرفة بالتحديد كانت عارية من ستائرها .. فموضعت الشمس رحالها على الارضية طاردة بذلك عباءة الظلام إلى حين عودة صاحبه الليل.
هي لزمت سريرها رغم قسوة النور حولها .. متكورة حول نفسها وملابس الأمس لاتزال تعانق جسدها .. ذات الزينة على خلقتها لكنها .. ما عادت زينة بعدُ.
عامل مساعد تدخل وطرق جرس المنزل .. تراجعت خطواته منتظرا ردا من نيام المنزل، القطة التي بالدور الأرضي كانت الحيوان الوحيد اليقظ، إضافة للأسماك الملونة بذلك الحوض المشع بزرقة المحيط، فرَنِينُ الجرس دفعهم للتحرك هنا وهناك كمن ضاع منه شيء لا يدري ما هو .. لكنه يشعر به!، القطة تنادي بموائها الرقيق .. والأسماك تصرخ كالغريق فتتفجر فقاعاتها الصغيرة ما إن تلمس سطح المياه عل أحدهم يهب للإطلاع على الضيف.
الجرس صاح للمرة الثانية .. بل كان صياحا مزدوجا ضغط زر إيقاظ ڤايلز أخيرا. نهضت بحالتها المبعثرة ... تود الاستعجال والانزلاق مع الدرج لفتح الباب لكنها سٌكنت بظلمة منعتها من وضع ساقيها خارج الغرفة، رمت بصرها هنا وهناك تشتت ألحاظها إلى أن وجدت جسدها في معطف منزلي التقطته بطريقها بعد أن طافت الحمام لوهلة .. وفي مسار عموج عجّلت لتلبية نداء الطارق.
- تأكد من العنوان مرة أخرى!
أمر زميله بخفوة بعد أن هربت منه تنهيدة خانقة، الآخر انصاع في الحين، العنوان كان صحيحا .. "..أين أصحاب المنزل إذن؟"، اشتد سخطه وهو يتساءل .. صبره ضاق من الانتظار، هز عيناه عن كومة الهدايا الملونة من على يمينهما والتف يحدج ما التقطه من نوافذ .. فما قابلته غير الستائر المستترة عما بالداخل.
- إنه الصباح .. لابد أنهم لم يستيقظوا باكرا..
الحامل للوح الالكتروني نبس ببرودة دم معدلا لباس الشرطة الخاص به، إذ به مقبض الباب امامهم يتكلم .. يصدر طقطقات عنيفة، كانت ڤايلز التي تحاول فتح الباب لرجلا الشرطة اللذان لمحتهما عبر كاميرا القفل، عين مغلقة تكمل بها نومها .. وعين مفتوحة تصارع لإدارة المقبض بلا اي جدوى .. الخشبة البيضاء .. -الطويلة- قبالتها ترفض الفتح!
أساريرها تجهمت والغضب من ألحاظها الشبه نائمة همع، زفرت عدة مرات مبعدة كفيها باستسلام عن المقبض المعدني .. إذ به يفتح ببطء .. وحده، أنظارها مع خاصة الشرطيان التقت .. في لحظة صمت .. غريبة على أرواحهم لتداركها، قد فقدت نصف ذاكرتها من ليلة أمس .. "متى كان هذا الباب يفتح للخارج لا للداخل؟" تساءلت وهي تحدجه بخنق .. ترتفع مع طوله وتمر مع عرضه كما لو تحاصره بركن الاعتراف .. عله ينطق.
- صباح الخير آنسة.
كلا الشرطيان القيا التحية .. كلّ بطريقته .. من يكشر تقاسيم وجهه بانزعاج كان من نطق، أما هادئ الروح فهز رأسه مع شبح ابتسامة تكاد تُلمح .. وهي للتحية ردت.
- .. هل استطيع مساعدتكما بشيء؟
نبرتها جافة نتيجة سوء مزاجها، بصرها يمر على ملمحهما بنظرة جامدة .. ثم لكفيها التي عملت على تعديل وإصلاح ما راودته بها نفسها أنه بحاجة لإصلاح تتبعت .. رغم أن أغلب تفاصيلها بحاجة للتعديل، فكان أحدهما يعصر إرادته الكاملة حتى لا يسمح لأي ضحكة بالخروج .. فلا شيء يدعو للضحك!
- هل تعرفين .. لا سيردا ڤايلز؟
- إنها أنا!
ابهامها ارتفع يشير لها .. والقطة أسفل قدميها العارية تمسح بفروها الذهبي ضدها بحركات حب وود .. كمحاولة لجذب انتباهها وبحبها تغرق.
- حسنا آنسة ڤايلز نحن بحاجة لقدومك معنا لمركز الشرطة .. هناك ما يجب أن نناقشه.
نطق الشرطي بلهجة آمرة قاسية لا تقبل النقاش أو الاستفسار عن هذا -النقاش!-، رغم انه ود لو كانت طريقته أكثر ودية .. خفيفة الوقع على المسمع حتى لا يُفهم سلوكه بغير حقيقته، ڤايلز همهمت بتفهم .. فما طلبت غير دقائق معدودة للتجهز .. إنهاء الروتين المعتاد والتأكد من والدتها النائمة بغرفتها وعادت، النوم قبض على أطراف كتفيها .. فوجدت نفسها تتحمل ثقله حتى لو أنها سبق وهزت أطرافها جيدا قبل الخروج، مددتها وقفزت عدة مرات لاسترداد نشاطها.
المقاعد الخلفية بسيارة الشرطة كانت قاسية .. ضيقة غير مريحة للجلوس حتى .. إلا أنها أخفضت قبعتها الصوفية على عيناها مستسلمة لرغبتها الدفينة بإطفاء وعيها لدقائق أخرى، الهواء الدافئ ينبعث عبر النافذة المفتوحة للشرطي الجالس قبالتها فكان الاستيقاظ يزورها كثيرا طوال تلك الدقائق .. يأتي ويذهب، يشغل سلاسل أفكارها الصدئة عن حيث هي ذاهبة فيما تتحسس كفها المضمد.
الشرطيان لم يبرح أي منهما جانبها .. كحارسان شخصيان لملكة .. وبالأحرى لمجرمة تتم قيادتها نحو المركز، حذقان لأي حركة تتخطى الحد الأحمر .. قد تصدر منها، إلا أنه .. منذ تخطيهم للمدخل وهم يرونها ترسم بسمات مجاملة لمن يمر من الموظفين او ينادي باسمها من بعيد .. فترفع كفها السليم لتحيته.
تلك القاعة التي وُجهت إليها عبرهما تعج بصراخ المدانين والمسؤولين بحماية الوطن، يتجاذبون اطراف الشجار عبر أطراف ألسنتهم والكلمات النبيلة تملأ تركيبات عباراتهم، يصدرون ضجيجا .. كطنين الذباب حول مكب النفايات!
خطواتها تثاقلت على حين غرة .. تمسك مكابحها ببطء ما إن أدركت -النقاش- الذي ينتظرها، كولتن .. متوج بضماد ابيض وذراعه اليسرى مدعمة، جف حلقها وهي تلتقط مشهد كفه بين خاصة والدته .. تهمس له بكلمات ما وهو الساكن الغير متحرك.
- مرحبا!
صوتها خرج خفيفا إلا أن مسامع والدة كولتن -داريا- التقطت كلمتها فانتفضت اطرافها على عجل، كرسيها وارتعب منها لدرجة تراجعه بعيدا عنها، تاركا إياها تنتصب وتعزف طنينها في حين جلوس ڤايلز.
- هذه هي!! .. أنا أعرفها جيدا هذه أفعالها! ... لما هي حرة الايدي أتود منها أن تكسر احدى عظامي انا الأخرى .. قيدها وارمي بامثالها في السجن إنها خطرة على المجتمع!!
تصيح وتقذف بكلامها ڤايلز التي ما نظرت لها ولا للشرطي الواحد الذي ظل جوار هذه الأخيرة، فحاول هو وكل من كولتن الفاصل بينها وبين ڤايلز إخماد اندفاعها بشيء من الاحراج .. لكن ما أوقفها غير الشرطي الأكبر الذي أتى من خلف المكتب الذي هم أمامه.
- يا سيدة زُمّ ثغرك فقذفك للكلام والأوامر هكذا غير مسموح!!
قبضته طرقت لوح المكتب بخشونة حتى تبدد صوت كل من جاورهم، راحته ارتفعت تمسح على الثلاث خصلات الحية على رأسه .. فعودته للمكتب تصادمت مع انفعالها الغير محترم مما دفعه بلا وعي أن يرد بذات الانفعال الحار وهي التي تبدو بعمر جدته.
داريا هدأت .. غير أن مقلتاها الحادة عن ڤايلز ما انقطعت، كل من المعتدية والمعتدى عليه ساكنان .. غيرها هي، تفور وجمرات غضبها تتفجر كما لو كانت تبرك على موقد.
الشرطي سارع بالعودة لمكانه، مستوطنا كرسيه المتهالك بعد أن رد تحية الشرطي الأصغر رتبة منه، كان ضائعا وسط لباسه الرسمي .. فقد صحا لتوه بعد قيلولة لمدة ساعة، فأخد يفرغ إرهاق العمل بتمتمات غير مسموعة ويداه تبحث بين الاوراق المبعثرة قبالته .. في ثانية عينه مرت على الجاثمين أمامه فجمدت عند أحدهم.
- لا سيردا..!؟
نطق وقسمات وجهه عرفت بهجة بلقائها .. ڤايلز على حين استقامت باعتدال ورفعت كفها الأيمن إلى جبينها .. بتحية رسمية قابلته، أرغمته على النهوض بقهقهات سعيدة ليرد التحية، تبادلا البسمات الواسعة وكلمات الحنين لطول الغياب وانقطاع اللقاء حتى عادا لسياق اللقاء.
- حسنا لست ادري حقا ما يحدث هنا بالضبط، تم إحضاري ولم أستفسر أحدا بعد!
اعترفت ببعض العبوس وهي تعدل قبعتها بعفوية دون أن تمنح مقاما للجالسان جانبا، داريا ودت لو تنطق .. تعلق على سلوكها الغير محترم لكن إمساك كولتن لكفها جعلها تتراجع .. -من اجله-، هو الآخر ود نظرة -عابرة- وحسب منها .. فما لقي!، الفاه الذي سيتكلم به معها .. أن يخرج الكلمات ويسأل عن امر الضماد بكفها "أيؤلم؟ .."، لكن ذكراه لآخر لحظات تسبق العنف الذي تعرض له ترغمه على تفضيل الصمت .. حشر كلماته بداخل حنجرته ولو خنقته.
- انتظري أجد قطعة الشجر تلك وحسب ... تعرفين رأس الفأس ذاك، لازلنا نعاني بتتبعه وخلايا عقلي توشك على الانتحار لقلة النوم.
عاد -مايلس- ينظر ويقلب الاوراق بينما يشكو حاله للتي يدري فهمها هي وحدها للفظه.
- لا تتردد بطلب مساعدتي يوما سيد مايلس .. إني لأمد لك يدي كلما احتجت.
نبتت ابتسامة صادقة بثغره لما التقطه عبر صوتها .. إذ به يجد مبتغاه، فتحركت شفاهه يردف بما فيها.
- تعرض السيد كولتن بيير إلى اعتداء شديد من طرف الآنسة ڤايلز..
مقلتاه ارتعشت بحثا عن الضحية فوجده .. بحالته تلك الواضحة للأعين، وهناك شهادة طبية تثبت سوء ما تعرض له، نظر لڤايلز .. جالسة براحة وغير كفها المضمد كل طرف بها بخير، بل في اتم الصحة ليبدأ جولة ثانية من التعنيف للساكن قربها.
- حسنا .. أحدكما فاليشرح ما حدث بالتحديد! ... لما العنف ڤايلز؟! .. بل ما العلاقة التي تجمعكما أولا؟
رمى الأوراق عنه عائدا للخلف يرخي عضلاته المتشنجة .. فحالات العنف والاعتداء هذه مرت أمامه كعدد خصلات الشعر التي خسرها.
- إنها حبيبتي.
- حبيب سابق.
الرد أتى من كلاهما في ذات الثانية .. حتى أن الالحاظ التقت في لحظة قطعتها ڤايلز أولا، أخفضت مقلتاها بتعبير ممتعض من ذلك اللقاء .. أما عنه فابيضت شفتاه حتى ما عاد الدم يجري بوصالها .. السيل الذي باغثه منها أيبس كل خلية من عقله.
- لست حبيبة شبيه الرجال الخائن!
شدت كلماتها الحارقة تجيبه فثار عن صمته في حالة من عدم التصديق .. عدم إيجاد الكلمات المناسبة ليرد بها على الهجوم الذي تعرض له ماء وجهه.
- ڤايلز .. حبيبتي .. أقسم لك أنه مجرد سوء فهم!
- لا تقترب مني!!
هسهست بوجهه ونهضت تهز كرسيها لتبتعد ما إن تم سحبه من طرفه عبر يده السليمة .. إذ يود قربها، أن يكون مركز عينيها عل روحه تستعيد حياتها فيسترجع اتصاله بكلماته الحلوة ليرمم الجسر الذي بينه وبينها .. إذ بُعدها يزيده مرضا، هي رافضة لرفع بصرها له حتى، عبس ملمحه من ردود أفعالها التي أخد يلمح بها مبالغة .. وربما هذا مجرد طابع أنثوي يدفعها للعودة للخلف حتى يتقدم أكثر .. فالتمس عطفها علها تلين.
- فقط اسمحي لي بفرصة لشرح موقفي!
تحرك بجذعه العلوي عله يدخل دائرة رؤيتها لكنها خلاف ذلك .. استمرت بتحاشيه، لم تجبه .. علقت قناع البرود ودعست وصال العطف والإحساس متخدة وضعية الصماء قِبال حديثه، فعاد لصمته إثر نغزات والدته بأن يتوقف عن ترجيها -كالكلب الذليل!-.
- الحقيقة أنني جعلته يدفع مقابل اكتشافي لخيانته ليلة أمس .. وأستطيع دفع أي غرامة مالية قد يتم المطالبة بها لتسوية الأمر.
ما نبست به .. بكل تلقائية .. احرف انسابت بلا ارتعاش ولا تردد، ببصقها زاد من صدم كولتن بصدمات فاحتجت داريا مكانه .. ولو بنغزة مضافة لكيفية استقبالها الكلام.
- كيف لك أن تستخفي باعتدائك على ابني وتطالبي بتسوية هكذا ببساطة! .. أتظنين أن طريق معارفك ذاك سيخرجك من المشكل؟، أقسم لك بالذي خلقني إن لم أمسك أكبر محاميا بالبلاد وأجعله يزجك بالسجن لتعاد تربيتك .. فالتي امامك ليست الخنزيرة داريا!
رد فعلها أيقظ بعض رجال شرطة من الجوار ليمسكوها قبل أن ترمي بنفسها على ڤايلز الساكنة اطرافها .. اعتبرتها شفافة فما التقطت هرائها كاملا، لكن وترا منها تحرك لمس بغير قصد .. قد -استُفزت!- .. كلماتها ضغطت أزرار غضبها، فاهتز صدرها بقهقهة ساخرة .. معلقة بخفوة.
- الخنزيرة داريا .. لقد اصابوا!
تُعرف داريا بهذا اللقب -الخنزيرة داريا- بين سكان حيهم، نظرا لسجلها النظيف مع باقي نساء .. رجال وأطفال الجيران .. إضافة لسمعتها الذهبية بكل التجمعات والشائعة بين المعارف، وهي بنفسها تعرف أنهم طبعوا الاسم على جبينها.
شعلة الشيب الخفيفة المرمية على كتفيها خُربت كما سالت قطرات العرق الباردة من على جبينها، لم تعُد للجلوس رغم مطالبتهم بل وقفت كعصا تعيق لهم سير عجلة العمل بسلام، مايلس بعد سكونهم جميعا .. وغالبا اعتبر ذلك بداية الفاصل الإشهاري لهذه الدراما التي تُعرض قِبالته، قفز ينطق عله يعجل بختمها.
- حسنا إذن .. المجرمة اعترفت بفعلتها وبدافعها كذلك، لهذا..-
قبل ان يكمل قوطع من طرف داريا التي تذكرت شيئا آخر غفلت عن الإشارة له .. فثارت مرة أخرى.
- انتظر انتظر .. أنتِ أعيدي ما قلته قبلا!، ابني أنا!؟ ... يخون حبيبته؟ .. كيف تجرئين على اتهام ابني بأمر مشين كهذا! .. أنا والدته وأعرف أن ابني لن يفعلها ولن يجرؤ عليها .. أهذا هو عذرك لتبرير فعلتك الدالة على وحشيتك!
صياحها دفع ڤايلز لدعك اذنها في حركة مستصغرة بها، أما كولتن فقد ذاق ذعرا بعد ما بصقته والدته من كلام احمر وجهه حرجا منه، أمسك ذراعها ببعض العنف يعيدها لمكانها رغما عنها .. يتناقشان شيئا عبر وشوشات لا يسمعها غيرهما.
- ابنك هذا يا خالتي وجدته صدفة .. يخونني في ليلة احتفالي بعيد ميلادي، في حين ماذا؟ .. في حين كنت استمتع بوقتي الخاص مع الأقربين لي فماذا فعل هو؟!، يستمتع مع أنثى غيري بأحد الأركان المظلمة.
الكلمات هربت من لسانها .. تدافع وتشرح موقفها لداريا علها تدرك فعلة ابنها فتدري أين خطأه وتصلحه .. أو ربما تنصحه وحسب، فرؤيتها وهي تدافع عنه .. تحاول إخفاءه خلف رداء الملاك المعصوم من الخطأ يهيئ الطريق لتفاقم غثيان يحرق معدتها، مع ذلك داريا واصلت دحض أقوالها.
- أين هو الدليل؟ .. هيا آت دليلك!!
كولتن بينهما لم يجد مساحة للكلام .. للحديث عن نفسه بدلا من والدته التي لا تنوي التراجع، حتى حقيقة وصولهم لهنا ... هي من أمسكت يده نحو مركز الشرطة بعد أن عاد من المستشفى مباشرة حتى يتسن لهم زج الفاعلة بالسجن كما تعزف على مسامعه، والآن هو نادم على انصياعه لأوامرها الغير منتهية.
- أنا رأيته!
قول رجولي لف جميع أنظار المتناقشين نحوه في لقطة درامية، كان القائل جافن .. مكبل اليدين من قبل رجل شرطة لايزال بعد يقبض ذراعه .. إذ دخلا لتوهما وسط النقع يمرون جوارهم في سياق صدفة غير متوقع، حالته الخارجية بدت مزرية .. كمن لم تعرف عيناه نوما كانت حمراء، علامات الضرب العنيف تعم جسده من قدميه لرأسه.
مقلتاه ما تصادمت مع خاصة ڤايلز التي اظلمت .. بل حافظ على طأطأت رأسه .. ينظر لقدميه وجسده يميل لمن جواره .. كما لو يستمد أمانه من رجل الشرطة الممسك به، وبعد أن ابتلع بضع قطرات من ريقه همس بشيء لهذا الأخير قبل أن يتقدم ليحيي مايلس .. فقد تلقى إشارة منه للاقتراب .. ليضعوا اقدامهم وسط هذه الحرب ولا يظلوا كغيرهم في الهوامش مختنقين بالنقع وحسب.
- لقد رأيته سابقا في مبنى السعادة للحفلات .. بركن مع فتاة يتشابكان الأيدي ويتبادلان اللمسات، إضافة لهذا لقد قمت بالتقاط صور لهما بهاتفي .. لأني أعرف انه على علاقة بڤايلز .. هي زميلة عمل لي، فأردت أن أريها لها لاحقا.
أعينه خطفت نظرة سريعة عن كولتن الذي تبدلت الألوان بوجهه، أطرافه بدأت ترتعش حتى أحس بتيبسها .. ساقيه كما لو أخرجت لتوها من مجمد فتم تركيبها له، هجرته الحجج التي سيدافع بها عن نفسه .. أو يصد بها تلك النظرات التي تمر على لحمه كخدش يلسع.
مايلس ما إن أخد منه هاتفه .. نظر لتلك الصور الواضح بها كل شيء .. وعرضها على داريا .. كولتن الذي أُتم له عبر ذلك إكمال آخر مرحلة لتحنيطه، أما ڤايلز فركزت مقلتيها عليها جيدا .. عسى أن تتفجر بذلك آخر ذرة تعاطف تجاه كولتن .. إن بقيت! ، حينها فقط سمح لهما بالرحيل .. إلا أن إحداهن ما فعلت، تتبعت جافن بدقة حتى اختفى شبح ظله خلف طوب حجر حُجرة لا تعرفها!
داريا انتقلت إليها عدوى ابنها بعد ما سبق، إلا انها ما التفت اليه .. تعاتبه وتذمه .. بل رفعت رأسها عاليا بلا حياء ترمي كلام لا يعرف اتساقا ولا انسجاما .. لا معنى له، تسابق مايلس قبل أن ينطق بالحق.
- حسنا .. وإن يكن بالنهاية ... هو رجل ولن يجرأ على لمس احداهن غير التي بقلبه إلا إن كان الخطأ منها، إضافة ... أن الرجل يظل رجلا مهما فعل ولا ي...-
كولتن لم يحبذ أن يصفع والدته بتلك الثوان التي ألقت به حجتها الضعيفة، رمى عيناه على حبيبته قلقا عليها من سوء قولها .. رغم أنه يكبت قلقا أكبر لفعل الخيانة الذي نُسب إليه -باطلا-. المقعد من خلفها انزاح يترك لها حرية الوقوف والهجوم على داريا وكسر دفاعها القذر.
- ألا تفهمين أن ابنك بفعلته تلك لا يقدم أي احترام للانثى؟ ... الخيانة لا مبرر لها حتى لو كان التفريط من أحد الأطراف، وإن كان مفهوم الرجل الطبيعي لديك بمثل هذه المعاني اللامنطقية .. ففضلا منك الحقيقة ليست كالعينة التي وَجدت نفسك معها ... تخونك ليلا فتجدينها صباحا بمائدة الإفطار جوارك، التعميم منهج من مناهج تحليل المعارف لدى الجهلاء يا خالتي!
خروج ڤايلز عن صمتها ترك المعنية تفتح فاهها بلا صوت يصدر منها، أما ابنها فقد اشتد الضغط عليه حتى ضاق صبره وانتقلت أحاسيسه لمستوى الغضب من الجميع .. حتى مايلس عمل بسلطته على ألا يسمح لأي منهم بعدُ على أن ينطق بحرف آخر غيره، حرق كل واحد بنظرة قاسية كسرت تعاليهم .. وبالتحديد داريا التي كاد النفس عنها يهرب، أما ڤايلز بعد أن بصقت جوابها فانكمشت وسط هدوئها براحة .. علمت أنها قذفت أخ الجواب الذي كانت داريا في هوس لتلقيه.
- كرجل له مبادئ .. وإنما مبدئيا هذه الدعوى سيتم اسقاطها، أنت قمت بسبب يدفعها لإعادة تربيتك بما أن والدتك لم تأخد بعد درسا بالتربية السليمة .. هناك دلائل على خيانتك فلا مجال لدحض ذلك، آنسة ڤايلز .. لم يعد هناك حاجة لوجودك معنا هنا، تستطيعين المغادرة ... وأنتما من الأفضل أن تتحاشوني لو تصادفنا بشارع لا مخرج له!
هسهسته الأخيرة كانت مسموعة لكولتن المتتبع لرحيل ڤايلز ما إن سُمح لها .. يراقب خصلاتها التي اهتزت لسرعة خطواتها حتى غادرت نحو المخرج، فنهض هو الآخر يجر قدميه كالميت يحمل على ظهره ندما ثقيلا .. لم يكترث بعد لوالدته التي تداركت لتوها نهاية كل شيء .. -بخسارتهم!-.
ڤايلز في الواقع لم تخرج مباشرة من المركز بل كانت تبحث هنا وهناك عن وجه .. فما وجدته، -جافن- .. بحثت حيث رأته يتجه فلها حديث طويل معه، لكن لا وجود له ولا لذلك الشرطي الذي كان معه .. كما لو ما كانا هناك للحظة.
الاستسلام ناداها من مخرج المركز .. فلبت النداء رغم الندم الذي رافقها بعدم إيجاده، التقطت سيارة أجرة أمرت سائقها ليُحلق بها -بأي طريقة- حيث يقع منزلها خارج المدينة الصغيرة .. فهي أدرى بالعمل الذي تأخرت عنه، ثم من هناك مباشرة ساقت سيارتها الخضراء .. قديمة الطراز بأعينهم أما لها فتلك طراز محدود، محظوظة بامتلاكها لآخر قطعة من ممتلكات والدها الراحل.
صباحها الشيق الذي كان دراما خاصة .. استثنائية، حاولت تجاوزه بالاستعداد للعمل كما العادة ... ارتدت ما عليها واضعة بضع مساحيق تحيي ذبول ملمحها، دواخلها تعرف صداع قد يشق رأسها فصين بأي ثانية .. فتناولت بضع مسكنات رجت لو تعمل على مساعدتها أيضا باسترجاع أحداث ليلة أمس كاملة وفهم ما حدث بصورة أوضح.
──────────────────
نظراتها الطبية انزلقت وهي تنحني للأمام لتعديل جلستها على حافة أحد آلات التبريد الضخمة، وباعتدالها وعودتها للخلف بطرف سبابتها رفعتها.
بركت تبرشم السماء الزرقاء بتركيز .. تكثف ألحاظها لتلك الثغرات التي صنعتها الشمس بين الغيوم البيضاء لتقابل الأرض .. إلا حيث هي .. فقد انتشر ظل غيمة ضخمة على المبنى الذي هي بسطحه، كما لو ان الطبيعة اخدت بعين الاعتبار حساسيتها بهذا الوقت، حتى الريح من خلف ظهرها يمر مطبطبا على كتفيها ويلاعب خصلات شعرها.
لهذا هي مهما حدث لن تحب مجالسة -إنس- في مثل اوقات خضوعها لمزاج كهذا .. بل بحاجة للبقاء وحدها في مكان هادئ ومعزول، الطبيعة ستعمل على احتضانها كما اعتادت منها .. أفضل مما قد يحاول أي شخص أن يفعل!
لقد أتت في وقت متأخر بعض الشيء للعمل وبعد التظاهر بسماع توبيخات المدير التي اخترقت مسامع كل موظف تعمل معه غادرت لحيث تخفف من حرارة أعصابها .. حينها ستعود لإكمال أعمالها .. فالتنتظر .. ليس وكأنها ستهرب.
بين زحمة أفكارها كانت تضيع .. كما ينام وعيها، أسنانها تبدأ بالتهام شفتها السفلى .. كتفاها ينخفضان إلى أن يوضع كل ثقلها على ساعديها المستندة بهما للخلف، حدقتيها ضائعة بالغيوم المتحركة اتجاه الشمال.
-أقدام رجال ...-
-جافن يخاطب رجلا وهي على الأرض مستلقية تبحث عن منفذ ... لمح كعبا سيدة ما بإحدى الحمامات وجوارها قدما رجل.-
-هروبها للحمام وإغلاق الباب على نفسها .. محاولة اخراج هاتفها للاتصال على أحدهم وسط طرقات قاسية تدق الباب .. سيادة سكون على حين غرة.-
-أصوات غير واضحة .. كما لو أنها قادمة من عمق محيط هادئ.-
لم يرف لها جفن وهي تستعيد هذه المشاهد أمام ناظريها .. كما لو أن رمشها سيقطع عنها سيل ذكرياتها، أنفاسها ببطئ انقطعت .. تُوقف بذلك عمل أغلب أعضاء جسمها، لا تود أن يعترض شيء خلاياها عن إعادة تشغيل سجلا صوتيا جذب اهتمامها، لم ينج منها بتلك اللحظات غير القلب .. إلا أنه للاستسلام سُحب نظرا لانقطاع مُؤَنه!
-ڤيز اتسمعينني؟! .. - .. ڤيز ... !-
استعادت رئتيها هوائها كحال باقي الأعضاء، زفرت بثقل متخلية مرة أخرى عن مهمة حملها لرأسها الذي أضحى ككرة ثقيلة مزعجة .. تركت لكفيها مهمته ولعينيها أغلقت، الإرهاق يغمر جل أطرافها .. فما عادت تتحمل تصليبها لهم، الهالات تمركزت حول عيناها .. وكمحاولة لإخفائهم .. هي وضعت بعض الكحل فخفف من ملاحظة الناظر لها .. ولخلقتها زاد جمالَا.
أفكارها في عقدة عالقة .. أمر ذلك الصوت يطرق جمجمتها بفضول عنه، "من يا ترى صاحبه .. ؟" ... دواخلها تصيح بها لكون الموضوع ذا حجم ضخم، تشعر بذلك لكنها لا ترى منطقية لمصدر هذا الشعور.
حاستها السادسة جذبت اهتمامها عن شيء يتحرك جوارها .. فارتفعت جفونها على عجل تسمح لبؤبؤتيها بالنظر لهذا الشيء الغريب، "أهذا طائر..؟" لمحت مروره بسرعة .. شيء متوسط الحجم حلق في السماء بطنين خفيف والآن اختفى، -طائرة مسيرة- .. افترضت وهي تبعد تلك الخصلات التي حالت بين نظرها وما حولها.
إحساس بالضياع والسكينة اجتاح خواطرها حتى ما عاد فكرها يعمل لمحاولة تحليل الحدث .. "ربما هم ..." .. أقنعت نفسها مفضلة العودة لوضعها الأول، غارقة بالهواجس التي تلتهم كل خلية بدماغها حتى تضاعف ألم جمجمتها.
أوقعت ألحاظها على قدميها المتدلية .. تهتز مع الرياح فتُتلَف أصواتها الداخلية من حين عبر الاحساس بها، ذلك ساعدها لتتذكر الرسالة التي تركتها لصديقاتها قبلا، فاخرجت هاتفها تتفقدها بحماس.
ڤايلز:
^أين السلام معكن؟
أين الأمان بينكن؟
أعود للمنزل فاقدة لنصف ذاكرتي بعد أن بايعتكن ثقتي بأن تعيدنني للمنزل فوق رؤوسكن! فأعود كالكلب الذي خرج لتوه من حرب كلبية مع كلاب امثالكن!
من الأفضل أن تنجزوا أعمالكن المؤجلة فإني لقبوركن أُجهز!!
اليوم يومكن!^ [تمت مشاهدتها]
(ملصق شخص ملثم ومسلح بسكاكين بلاستيكية) [تمت المشاهدة]
شبح ابتسامة طلع بشفتيها لإعادتها قراءت خطابها التهديدي .. فتركت بصرها ليجري على ردود المتلقين لرسالتها بابتسامة مستمتعة.
ميليا:
^نستقبل يوما جديدا بصباح الخير .. والورد .. والجمال والحياة الرائعة لا باليوم أجهز قبوركم!!!
اللعنة على فتحي لهاتفي بعد استيقاظي مباشرة!^
فريدلي:
^انتظري انتظري!!!!
كيف أنت لا تتذكرين شيئا!؟
تسهرين ليلة فتنسين نصف حياتك لما لا يحدث ذات الشيء معي؟!^
(ملصق دمية تسبح في دموعها)
كاستين:
(الكثير من إيموجي وجه باكي وقلب أحمر مكسور ينزف)
^منذ ان تعرفت عليك بالاعدادية وأنت تنهالين علي بتهديدات القتل!
بت أخاف الخروج معك في موعد ثنائي فقط!^
جورلي:
^يا إلاهي!!!
ألا تتذكرين ليلتك مع كولتن؟
لقد أخبرني أنه سيلقاك وأخبرتك فذهبتِ اليه
لا تقولي يا فتاة أنه جعلك تشربين شيئا ما وافتعل بك سوءا؟؟؟!!؟^
هيمنو:
^أجل أنت محقة!!!
لا ثقة بالرجال .. إسأليني أنا!!^
كاستين:
^يا فتاة هل عدت فقط للمنزل بخير؟
جسدك بخير؟^
جورلي:
^هل يمكن أنه أطعمها شيئا ما حقا؟
أخبرني بيك أنه جرب بعض المخدرات معه آخر مرة!!، هل يعقل أنه أصبح رجلا سيئا؟^
تصاعدت عدة ضحكات مع بلعومها حتى دغدغت طرف لسانها لإطلاق سراحها .. فانفرجت شفتيها بعدة قهقهات معاقة النبرة .. إذ واكبتها طرطقة وحشرجة نتج عنها اختلاط أنفاسها حتى كادت تختنق، وما ان استعادت توازن أنفاسها إلا وعملت أناملها على ضغط الأحرف لإرسال ردها.
ڤايلز:
^لا فائدة ترجى منكن حتما
تتتتتتتتتت
يا لأصدقاء مضيعة الوقت!!^
(إيموجي وجه حزين)
ڤايلز:
^لأكون صريحة ...
جورلي محقة بما قالته، ذهبت للقاء كولتن فاكتشفت خيانته لهذا أنا عملت على تدليك عظامه بعض الشيء [ (؛ ]
أوقفني فقط رجل أعرفه فذهبنا معا لأحد الحانات حتى تهدأ الروح الشريرة التي تلبستني .. شربت .. الكثير ربما
وهذه آخر ذكرى لي .. ^ [تمت المشاهدة للتو]
الرد لم يتأخر بوصوله .. من تلك وتلك فجلست تجيب عليهن واحدة واحدة، أحاديثهن كانت طويلة .. كل منهن ضغطت حروف رسالتها مشاركة النقاش حول الدراما التي وقعت لڤايلز، وببطء سرّبت كل واحدة منهن الدراما التي حدثت لها أيضا .. متفاعلين حولها بتعليقاتهن التلقائية.
استغلت ڤايلز هذه اللحظات كفرصة لإعادة إحياء ذبول مزاجها حتى أضحت تبتسم ببلاهة .. بلا وجود سبب محدد لذلك.
خطوات وأحاديث رجالية اقتربت ببطء لحيث مجلسها فنظرت من فوق كتفها للمصدر فضولا، كانت تخص عمال النظافة .. المسؤولون عن النوافذ الخارجية لمبنى الشركة، ما إن تداركت ذلك حتى عادت بعجل تنظر لعشرات الرسائل التي فاتتها في تلك الثوان، لم تدقق لكونهم مجموعة من خمس رجال ... مروا من مسار ليس بقريب ولا ببعيد عنها .. علاوة على ذلك هي فقط من لمحتهم أما هم فعن مسارهم المستقيم ما انحرفوا.
دقائق أخرى مرت في مزاج حلو حتى انتهت المحادثة برحيل كل واحدة لانشغالاتها .. فجلست تنظر لانعكاسها عبر شاشة الهاتف .. تراقب تبدد بسمتها رويدا .. اللاتعبير اجتاح قسماتها والجمود عم مقلتيها، بظهرها عادت للخلف حتى استوت في جلسة مريحة للنوم .. لكنها ظلت مستمرة بالنظر لخلقتها من انعكاس الهاتف، لثوان حتى اخفضت احدى ذراعيها أسفل رأسها وأخرى رمتها جوارها بعد ان دست الهاتف بجيب سترتها .. جعلت من الارض فراشها والسماء غطاءها.
"سأستريح لدقيقة وحسب أولا! .. حينها نعود للعمل" أعلمت نفسها .. تطمئنها عن قرارها .. عسى أن يسترجع بعض النوم كامل طاقتها .. -ذاكرتها-.
كفٌّ من على حافة السقف برزت .. وبسكون انبثق جسد رجولي واقفا بحركات خفيفة، حواس ڤايلز استيقظت مع صوت المعدن الذي طرق .. فاختلست النظر من بين رموشها بغرابة وغيظ، أدركت أن ما تلمحه -رجل- .. لباسه يذكرها بذات زي العمال الذين مروا قبل وقت قصير، فأوسعت جفنيها واستدارت لأخد نظرة تفحصية شاملة.
قبعة شمسية توشوش عنها خلقته .. لباس برتقالي .. جسد رياضي بامتياز، طول بعرض وارتفاع .. "عامل رياضي ها؟" سألت نفسها بدهشة وافكارها الكثيرة تجري حولها بلا توقف.
هو لم يقترب .. مدد ذراعيه ومن بين شفتيه برزت بالونة علكة حمراء، ترددُ صوت طرطقتها واكبه خلعه لقبعته .. فتيبست خلاياها.
قسماته اتضحت .. واتضحت معها تلك الإشارات المنذرة بسخط مزاجه، أما حدقتيه فهي تهمع بالبرود .. تمر على خلقتها بكل إنش تدقق وهي لذات الفعل تعكس، الهواء الدافئ من حولها أضحى ثقيلا .. ذراته تضخمت حتى عاد أجيب أنفها بالكاد تستوعب عملية الاستنشاق والزفير، استنتاج واحد تقاطعت وصالهما به .. -الدهر سحب من صغرهما حسنه .. فاستبدله بحسن الكبر والنضج-.
تحرك .. جسده نحوها انزاح .. بلا تحية ولا حرف نُطق، خلاف ذلك الابصار غردت من عمقها بما اللسان ليس بمقام لترجمته، اختفت لمعة ألحاظها .. بهُتت حتى ما عادت لشعور معين تعكس.
هي لم تتظاهر بعدم معرفته حتى بعد عشرة سنوات من انقطاع الاتصال، هذا اللقاء المباشر أضرم شرارة جعلت تلك العشر سنوات .. كالحلم، إضافة لهذا ليس وكأنه لم يتغير .. بل خلقته .. أضحت أكثر رجولية، بنيته المضاعفة بما أنه رجل ثلاثيني الآن، وعلاوة على ما سلف .. مكانته الرفيعة بالأعمال وصورته التي يتبادلها أهل الاعلام مرت قبالتها مرات عدة، حتى بالتلفاز هو ظهر!! ... رجل الأعمال -كوريليان كورساكورف- ... حبيبها السابق بعد عشرة سنوات يأتي للقائها -متنكرا- بزي عامل نظافة!.
- إذن أنتِ هي حبيبتي السرية؟!
بادر بسؤال وهو لإجابته قد ضم .. لسانه يسخر إلا أن ملمحه جامد.
- يحاول أعداؤك خطفها وما كنتَ هناك فأي ... حبيب أنتَ؟
تعابيرها واكبت كلماتها .. حتى من باقي حركات جسدها شاركتها، نبرتها بخذلان اختفت في صوت أقرب للهمس ومقلتيها انقلبت بسخف للحوار الذي يجريانه.
- الحبيب الذي يعيدكِ إلى منزلكِ بأمان بعد أن كدت أن تخطفي ... ويضمد جراحكِ قبل الرحيلِ.
زفرت نفسا عميقا متخلية عن جعله مركز بصرها .. كما خرجت عن دورها التمثيلي، وضعت يدها المضمدة بذات ضماده الذي وجدته عليه .. فلم تغيره لضيق وقتها .. على بطنها وأسدلت جفونها.
- فلا شكر ولا امتنان لهذا الحبيب .. فما الحبيبة بطارِقة لأبواب أمَانه.
نبرتها لاحت بعدم اكتراث إلا أن ألحاظه بغموضها لم تتوقف عن التهامها مراقبا رسمها لابتسامة صفراء .. أسقطتها ما إن سكن صوتها، ساقيه خطت به للاقتراب أكثر .. لسد فجوة الخطوتين التي بينهما وبجذعه استمال حتى التهمها ظله ولعطره استطعمت.
- حتى الحبيب ما كان ليلتف لأمرك ... هي أساسيات لها أحفظُ.
أجوبته السريعة تستفزها .. لسوء مزاجها تُضاعف، ويبدو أن يومها لأحد الكوابيس يحاكي -ربما!- لهذا ما ردت ... تجاهلته كشبح لا تود أن تجعله يدرك انتباهها لوجوده فينتهي أمرها، أما عنه فأغلق عينيه كحركة لتدارك خنقه الذي بدأ يفيض .. حتى من علكته أخدت تطحن من بين أسنانه بخشونة.
- لما فقط نشرتِ الإشاعة؟
رافق قوله امتعاض لاح اليها عبر خفوة صوته، فأتاه الرد بعد أن نُظر إليه بإحدى عيناها .. "توقعتُ ذلك" أعلمت نفسها بيأس ونطقت.
- مجرد زلة لسان!
هزت كفها المضمدة تشير بها في الهواء .. تستصغر الموضوع بشكل ما راقه ... حتى أنها بسلوكاتها هذه .. تزيد حطب نيران غضبه، خلاياه تفسر الوضع كما لو أنها تدعوه ليقدم أفضل ما لديه بالتأثير عليها .. إلا أنها تحذره .. -لست بمتأثرة!- .. تستصغره وهو الموضوع بحد ذاته!
تحسس قبعته بين راحتيه يفكر، كما زم شفتيه .. ولحاجبيه شد العقد، الجواب غير منطقي لدماغه ... وسط أعماله ومخططاته القيمة .. -زلة لسانها التافهة- عرقلت كل شيء فجأة دون أي سابق انذار.
- لاتزالين بذات زلات لسانك آنسة لا سيردا؟
غمغم يسخر بما التقطته مسامعها، فحدجته بألحاظ حادة .. مغتاظة من تراهاته التي تتعدى حدود احترام الذات لديها، وقبل أن ترد أكمل.
- أنتِ .. جعلتِ الجميع يظن أن لكِ علاقة بشجرة هم يبحثون لها عن ثغرة بسيطة .. ليقطعوها، غير أن الأمر الأهم من كل هذه الألعاب ... والدتكِ سحبت لهذه السخافات!
ختام عتابه لها .. حدقتيها اتسعت، لم يشغلها بعد ما حدث أمس .. لقاء حبيبها السابق بتلك اللحظة .. بل خُطفت باقي الأفكار باسم والدتها.
- أنتِ حتما تعيشين بعالمك الوردي!
علق متعجبا، إذ التمس من تعابيرها الدهشة الممزوجة ببعض الرعب الذي جال جسدها في رعشة .. ومن عينيها تلقى سؤالها الذي يشك في مدى مصداقية اعترافه.
- سيد كورساكورف ... هم أيضا أخطؤوا تحليلهم، فمن الغباء البحث في خلفية فتاة ذات حياة طبيعية والاقتناع بأن عقدة من ما شابه ذلك .. قد تجمعها برجل عصابات مثلك أو أيا كانت أمور كورساكورف تلك!
انتفضت من مكانها جالسة ومن الأسفل تبرشم له .. ملمحها انكمش بمرارة وهي تحتج عليه بكذبات هو أدراها، تدافع عن نفسها وكلاهما يعي بطلان دفاعها.
تعابيره ما انحرفت عن برودها .. أما عنها فقد تسللت ابتسامة خفيفة لتبج شفاهها، لصمته استقامت تقابله .. تكثف تدقيقاتها لوجهه وتقاسيمه فيما تتسع ابتسامتها شيئا فشيئا ... شيء من عمقها يدفعها لكي تضحك، تضحك على ما نبسته وصمته .. لابد أن كذباتها الصفراء عارية أمام الرجل الغامض الذي يقابلها.
ملمحها هي .. كان الوحيد الذي أبداها إنسانا تعمها روح الحياة .. عكس ثباته وذبول أحاسيس الحياة به، لا يهزه ريح .. -وإن وُجد فإنه ليسدن فجوة قدوم هذا الريح بلا تردد-.
- لا تحسبِي أن والدتكِ ستظل بذات أسوار أمانها .. الأفواه الجائعة لصيدها ... صيد كلاكما بالتحديد عديدة، لعابها كذلك يسيل بعد آخر حادثة.
عاد للخلف خطوة ... يخبرها وفي خبره تحذير، هي كذلك تحركت .. سحبت ساعديها تشدهما اليها، خلعت عنها رداء المزاح والهزل لتمسك الأحاديث بجدية بعد أن أنصتت لكلماته الأخيرة ... "إذن كان أنت!" تداركت جزءا مما حدث أمس لكنها تجاوزته في الحال، الآن حان دوره بالانصات، لهذا نادته.
- سيد كورساكورف.
تجردت مقلتاها من حس حتى أضحت تنافس خاصته ببرودها.
- لا أنت .. ولا غيرك يعرف لا سيردا ڤايلز، لا تتسرع في حكمك علي فإني ولنفسي سأحمِ .. حسّن أسوارك لوالدتي وأنا فلتذرني!
كوريليان اومأ بتفهم ... يدرك رفضها لعرضه الغير مباشر بأن يكون هو درعها .. يحميها ويبعد عنها أذى الغير، هز رأسه وملمحه ينبض باللامبالاة، عدل قفازتيه لوهلة قبل أن يضع قبعته يعدلها وفاهه ينبس.
- أيتها الجندية السابقة ... غيرك ما يعرفني! .. والذئاب حولي لا شيء مقابلي، هم خلفكِ أنتِ! ... ، سأقولها مباشرة هذه المرة وإنها لآخرهم .. العرض لن يطال حياته .. فاغتنمي فرصتك .. واعقلي!!
قبضتها اشتدت لازدرائه لها بهذه النبرة الرجولية الهادئة، تعابيره الغير مكترثة .. كلماته القاسية والمتلاعبة! ... كل شيء يضرم رغبة لكسر عنقه وتُغلَق جفون عيناه تلك.
- وسأتبث لك أني قادرة على الاستغناء عن عرضك الرخيص.
التفت تقابله بظهرها لتقفز من ذلك المبرد الى الأرض، "هي لا تكف عن الاستهتار بما أحذره عنها .. كالعادة" قال لنفسه وبخطواته اتجه للحافة التي قفزت منها .. يطل عليها وراحتيه تستمر بتعديل قفازتيه، يراقبها تنثر ذرات الغبار التي علقت بملابسها وتغمغم بكلام هو غير ملتقط له، فكه السفلي يتحرك ببطء ودواخله تلعن قلة حيلته مقابل شراستها.
فكّر وفي لحظته نفّذ .. انخفض جذعه لينزل لحيث هي، رمشت عدة مرات بتفاجئ وانزعاج لكونه كاد يسقطها بقفزه جوارها مباشرة .. فسحبت جذعها العلوي للخلف بإنشات خشية تصادمها باحدى ذراعيه الضخمة عن طريق الخطأ، جعدت حسنها بنفور إلا أنها اعدت آذانها لإستقبال أي كلمات أخيرة منه، فما إن اعتدل حتى اقترب في وهلة أتلف عليها إدراكها .. وجبينها لقبعته لمس.
- إنكِ لستِ ترين سهامهم فيكي شُرَّعا والدرع أمامك ماجد العرق فاعلمي!
نطق ولسانه على كل كلمة يضغط .. يؤكد للمتلقية بأن الدهر يرود وعلى قوله ستقف! ... وهي كعادتها رمت كلامه خلف ظهرها بلا تمعن فيه، -لم تكن لها أي نية بأخد نصيحة حبيب سابق بجدية-، شاهدته يغادر بلا تعليق .. حتى أنه لم يمنحها تلك الثانية الواحدة على الاقل للرد، التف واختفى كما لو لم يكن، -وعساها تكون آخر مرة تراه- .. هي أملت في حين عادت لتسير على خطتها ودواخلها سكنت شيئا فشيئا.
أما عن خاصته ففي استيقاظها تتخبط ... باستطاعته تدبر زلة لسان أي أنثى غيرها! .. -فلما هي؟- ... لم يبد له بأي من أجوبتها منطق ونتيجة لهذا هو لن يحل المشكلة إلا -بالحقيقة-.
[2025-04-29 | .. | كانت معكم مـاسِـهْ..]
Download NovelToon APP on App Store and Google Play