يوم غير موفق

بيوم صيفي مشمس، أستيقظ فريدي كعادته، حينما تدق الساعة لتكون السابعة صباحاً.

إنه من الأشخاص الذين لا يحتاجون إلى شيء مثل المنبه، لأنه وبكل بساطة لديه نفس النمط اليومي، لذا بدنه ينتبه للاستيقاظ أو النوم لا إرادياً، فساعته البيولوجية منتظمة، ولم يكسر هذا الانتظام منذ عشر سنين.

بمجرد نهوضه من الفراش، فتح الحاسوب المحمول ثم ضبط الفرن الكهربائي لتحضير فطوره الساخن.

بعد استحمامه، ارتدى نظارته الطبية، ثم أعد قهوته السريعة ليشربها بعد تناوله لفطوره، خلال تفحصه لبريده الإلكتروني الذي دائماً يكون مليئاً بالمهام، أو الشكاوى والمشاحنات بين أفراد فريق العمل.

سبب إصراره على تفحص بريده قبل الذَّهاب إلى العمل، هو أن ذلك يعطيه مؤشراً عن نوع الأحداث التي سيقابلها في يومه.

انتهى من تفحصه وأردف متنهداً:

- يا إلهي، اليوم سوف يكون ممتلئاً بالأحداث!

حزم أغراضه، وأرسل رسالة إلى جدته التي تعيش بالريف، يطمئنها على أحواله، فطمأنته هي الأخرى على حالها، وأخبرته أنها ذهبت إلى المعالج الروحي المشهور بقريتهم التي أكد لها، بأن اليوم سيكون نقطة تحور لحياة فريدي، وإنها تشعر بأن حياته ستتحسن للأفضل.

أجابها فريدي بأن لا تذهب إليهم، لطالما رأي إن المعالج الروحي مجرد دجال، ولكن كما الحال دائماً، يعرف إنها لن تستمع إليه.

كانت هذه الرسالة ضمن نمطه اليومي أيضاً، حيث إنه يراسل جدته يومياً، بالصباح عند استيقاظه، وفي المساء قبل خلوده للفراش، لقد أصبح هذا الأمر عادة له من بعد وفاة والديه... أصبحت جدته هي عائلته الوحيدة.

خرج من باب شقته وبدلا من أن يركب المصعد، ترجل على الدرج، فهو لم يعد يثق بالمصعد الكهربائي، حينما علق به مرة واحدة منذ عشر سنين!

ثم وصل إلى الدور الخاص بركن السيارات، دلف إلى سيارته، وأردف الحارس قائلاً بابتسامة عريضة مصطنعة:

- يوم سعيد عليكَ، سيد فريدي

لم يلتفت ولم يعره أي اهتمام... بالرغم من عدم التفات فريدي للحارس، إلا أن الحارس لم يبدِ أي ردة فعل... من الواضح أن الحارس قد تعود طريقة تعامله الجافة، ولكن هذا لم يمنع الحارس من أنه كان يسب فريدي عشرات المرات بخاطره، فالحارس بدأ عمله منذ عشر سنين وخلال هذه المدة الطويلة، لم يهتم فريدي أن ينظر له أو يوبخه في الأقل، حتى إنه أقسم بخاطره أن فريدي لا يعرف اسمه إلى يومنا هذا، ولكنه كان يردد دائما أنه يشفع له فقط، لأنه لا يحتقره لشخصه بل،  هذه معاملته مع الجميع، لا يستثني أحدا..

خلال ثلاثين دقيقة، وصل فريدي إلى الشركة، دلف إلى الدور المخصص لفريقه، بوجه غير مرن كالعادة، ورأسه ناظرة للأسفل، لا يلتفت يمينا ولا يسارا، مثل الروبوت فقط هو يعرف وجهته القادمة دون تشتت.

جذب مقعده، ثم أعتدل بجلسته، ولحظة فتحه لجهاز الحاسب، طلب مدير الفريق عقد اجتماع عاجل.

، فتذكر ما أخبرته إيزابيل البارحة، فأردف قائلاً:

- بداية اليوم غير موفقة...

بعدما اجتمعت الفرق بغرفة الاجتماعات، أردف مدير الفريق سيد "هنري كولتون" رجل بالعقد السادس من عمره، قصير القامة، شعره رمادي، يرتدي نظاراته الطبية التي لا يرى أي شيء بدونها.

- لدي أخبار مؤسفة... بل كارثة

- يبدوا إننا سنتأخر عن ميعاد إطلاق لعبتنا الجديدة "صخرة الفِرتاس"، لا يمكن أن نفعل ذلك بالغد، ربما قد يطول الأمر إلى شهر

عقد فريدي حاجبيه وأردف قائلاً:

- وما سبب التأخير؟

تنهد المدير، قليلاً ثم أردف:

- السبب بأن مصمم الألعاب، استقال من عمله

أردف فريدي بوجه قَلِق قائلاً:

- لماذا؟... ولكن على كل حال... لقد انتهى من تصميم الشخصيات جميعها، وتم ضمهم جميعاً خلال تطوير اللعبة بالفعل.

فقال المدير بأسف ظاهر على محياه:

- هذا المصمم الأحمق قد قام بسرقة تصميم الشخصية الرئيسية من شركة ألعاب منافسة أخرى وبهذا لن يكون...

قاطعه فريدي قائلاً بنبرة جادة وهادئة:

- فهمت، بالطبع لا يمكننا أن نستمر بهذه التصاميم المسروقة.

ثم أردفت إيزابيل:

- ولكن لما يقدم مصممنا بمثل هذا الفعل، هو مصمم بارع ليس هاوياً.

- والغريب في الأمر، أنها المرة الثالثة له معنا في تصميم شخصيات جديدة...

قاطعها المدير قائلاً:

- حتى وإن لم يكن سارقاً، فالنتيجة واحدة، لا يمكننا إطلاق اللعبة بهذا التصميم.

اتفق الحضور على الحديث ذاته، وقرروا أنه من اللازم وضع خُطَّة لإنهاء التصميم وإطلاق اللعبة بميعادها، ثم قام السيد هنري باختتام الاجتماع وأردف:

- لا أحتاج أن أذكركم بأن خسائر الشركة ستكون كبيرة، إن لم نطلق اللعبة بالميعاد المتفق عليه.

ثم تابع:

- ربما يقوم المستثمرون بسحب أموالهم في المشروعات القادمة، وأنا متيقن أنه لا أحد منا يريد هذا الأمر أن يحدث!.

انتهى الاجتماع قبل إطلاق صفارة، استراحة الغذاء، انطلق الموظفون إلى القاعة المخصص بها مقاعد مخصصة لتناول الطعام.

وبسبب الاجتماع الفائت، تأخر فريدي حوالي خمس دقائق، خسر بذلك جلوسه على طاولته المفضلة...

تلك، التي تقبع بأقصى يمين القاعة، جانب نافذة كبيرة، تطل على مباني الشركات المجاورة.

اضطر بأن يمر ويجول بناظره، يحاول أن يجد مَقْعَد شاغراً، فنادته إيزابيل عندما رأته بهذه الحالة:

- سيد فريدي، يمكنك الجلوس هنا...

تخيلوا معي ماذا فعل هذا الأحمق؟ لم يجبها بل التف وأكمل طريقه، وأصبح يردد بخاطره:

- أنا متيقن الآن...

أبدوا كالمعتوه الأحمق... لا.... بل.... أقرب إلى الوغد.

ولم يختلف الأمر مع إيزابيل، فحدثت خاطرها بالحديث ذاته إنه أحمق ووغداً متعجرف، ثم ناداه إدوارد مجددا للجلوس، فالتف فريدي وجذب مقعداً، الذي كان مع الأسف مقابلاً، لمقعد إيزابيل.

كان وجهه يتصبب عرقاً من التوتر، هو لم يَرتَحْ أبدا في تناول الطعام مع الغير، حيث يشعر وكأن الجميع ينظر إليه ويراقبه، وأن أحدهم يحسب كم حبة تناولها من طبق الأرز الذي أمامه.

هذا الأبله لا يعرف، أنه إذا أطلقت صفارة استراحة الغذاء... ما يشغل بال الموظفين بهذه اللحظة، فقط شيئان...

أولا - هل يوجد مَقْعَد شاغر؟

ثانياً - ما نوع وجبة الغذاء اليوم؟

شعر بالإحراج أكثر، وحاول أن يرفع نظره قليلاً، ولكنه وجد شعاعاً من الشرارة يخرج من عينيي إيزابيل، وهي تبتسم ابتسامة مرعبة، تلك الابتسامة العريضة، ولكن يزامنها نظرات عيون حادة، كنظرة المهرج من فيلم "IT" الشهير.

ثم قرر بكل هدوء أن ينكس رأسه مجددا، حاول أن يمضغ الطعام، ولكنه لم يستطع مضغ معلقة واحدة،

فاستأذنهم مبرر مغادرته، بأن جدته تحتاج مساعدته.

غادر القاعة، وأدهش كلا من إيزابيل وإدوارد، فلقد كانت أول مرة لفريدي، يكسر نمطه اليومي ويغادر دون إكمال وجبته، فكان دائماً، أول من يحضر وأول من يغادر.

عندما غادر القاعة، أردف إدوارد قائلاً:

- لا تنزعجي من فريدي، لطالما كان هذا تصرفه، تعلمين شخصيته...

قاطعته إيزابيل قائلة:

- أعرف يا إدوارد، ولكن ألم تره منذ قليل، هو حتى لم يجبني والتف دون قول كلمة.

وغادرنا دون تناول ملعقة واحدة، لا أعرف لأي سبب يمقتني هذا الرجل!.

أجابها إدوارد بصوت هادئ:

- لا تسيئي فهمه، هو لا يمقتك، ولكن أشعر دائماً، إنه شخصية جيدة، ولكن تصرفاته حمقاء ولا تحتمل، لذا نصحته باللجوء إلى أطباء نفسيين لمعالجته، لكن لن أخفي عليكِ الأمر، لم أشعر أنه مهتم لاتخاذ خطوة كهذه.

أردفت إيزابيل:

- أنصحه مجددا... أنت أكثر قرباً... بالرغم من عبقريته وذكائه، ولكن شخصيته مأساة بحق.

بعدما تركهم فريدي، أخذ يجول بناظره ليجد مطعماً غير مكتظ بالبشر، لكن لم يحالفه الحظ، إنها ساعة الذروة، ثم لفت نظره إلى مطعم قديم، يبدوا من الخارج كتلك المطاعم الشعبية، مطعم صغير حيث تراكمت الأتربة على اللوحة التي تحمل اسم المطعم، التي كانت مثبتة من أحد طرفيها، حيث الحروف مطفأة.

بمجرد فتح الباب، أُضيئَت الحروف لحظة، ثم أطفأت كالسابق.

دلف إلى المطعم، ثم رفع رأسه وجال بناظره، فوجد المطعم فاخراً من الداخل، على غير ظاهره....

Episodes

Download

Like this story? Download the app to keep your reading history.
Download

Bonus

New users downloading the APP can read 10 episodes for free

Receive
NovelToon
Step Into A Different WORLD!
Download NovelToon APP on App Store and Google Play