𝐑𝐔𝐒𝐒𝐈𝐀 || 𝐌𝐎𝐒𝐂𝐎𝐖.
𝟐𝟎𝟏𝟓.𝟐𝟑.𝐌𝐚𝐲 || 𝐀𝐭 𝟐𝟑:𝟓𝟏.
- الكعكة قادمة!
صراخ أنثوي أنذر الحشد من أجل تأمين الطريق والحذر لما تحمل بين يديها .. طبق لكعكة دائرية من طابقين بكامل زينتها .. -كعكة عيد ميلاد لا سيردا ڤايلز لإنهائها ثمنية وعشرين سنة من الحياة هذه الليلة!-، صاحبة الحفلة صاحت بغبطة مع باقي أصدقائها الشباب والشابات مشاركين إياها الفرحة، يستدير جميعهم حول تلك الطاولة المستطيلة والكبيرة كفاية لعددهم ... كل جالس قام واعتدل واقفا مستعدا لهذه اللحظة المهمة، كؤوسهم بأياديهم محمولة ... وبحواف الطاولة صحون بلاستيكية تؤنس جلستها أشواك.
ترددات موسيقى القاعة ما لحقت الركن الذي اتخدوه وتم استئجاره فقط من أجل هذه الليلة، وبما أن طبق الكعكة أضحى متمركزا أمام صاحبته .. أصوات الحاضرين أضحت التردد الوحيد الذي يطغى على القاعة بأسرها .. بداية من مَن هم حول الطاولة وانتشر بين من في الهوامش في ثانية، مرددين بنطق واحد وتصفيق موحد.
- عيد ميلاد سعيد .. ڤايلز!
العبارة الاولى تنفرج من شفاههم هادئة ليتجاوز اسمها التقليد مجبرا إياهم على رفع النبرة، علق ثغرها في تشكيل ابتسامة واسعة .. راحتيها تشاركهم التصفيق لنفسها دون قدرة على إيقاف موجات الضحك التي غمرتها، الشعلة النارية من فوق رقم عمرها الذي توشك على إنهائه .. تنعكس حمرتها بمقلتيها المتسعة مسرة بهذه اللحظة.
- هيا أغلقي عيناك .. وتمني أمنية، لم يتبقى غير ثلاثين ثانية لبداية يوم جديد!
كف حبيبها طبطبت على ظهرها .. يعلمها بهمس فامتثلت لقوله في الحين، جفنيها اضمحلت ببطئ ولحواف فستانها شدت متفكرة بأمنيتها ... حاولت التركيز عليها متجاهلة كل الصخب الذي يحومها.
- ثمانية! .. سبعة .. ستة .. خمسة .. أربعة .. ثلاثة! .. اثنان .. واحد!
عدهم التنازلي واكبه طرق الطاولة مع كل رقم ينطق .. إلى أن آنت اللحظة وانحنت تطلق أنفاسها بقوة على الشعلة، كانت الوحيدة التي راقبت صعود ذلك الدخان الضئيل .. من أسفل رموشها تتخيل صعود أمنيتها السرية عبرها .. نحو الاعلى ... بشكل يتجاوز سقف الاسمنت الذي فوق رؤوسهم .. أما تصفيق الحاضرين وصفيرهم فقد اشتد!
أمنيتها التي كانت عامة لأول مرة .. بعيدا عن أمنياتها السابقة التي تميل للتخصيص بأشياء محددة، فكل شيء راودته به نفسها تتلمس وجوده بحياتها فارتأت اختبار أمور جديدة! .. مميزة! .. والأهم أن تكون ممتعة! ... "..أتمنى أن تصبح حياتي مليئة بالمغامرات أكثر بعمري هذا ... بعيدا عن كل الممل الذي قضيته ...".
تردد صدى أمنيتها من الفص الأيمن لرأسها نحو فصها الشمالي ... ترود بينهما لثوان حتى اختفى الصدى وعادت مسامعها تستقبل أصوات الواقع.
- هيا هيا الآن لنلتقط الصور!
اتكأت على جانب الطاولة بساعديها .. تخلق وضعية مناسبة لصديقتها التي رفعت هاتفها، تلتقط صورا لها مع كعكة عيد ميلادها قبل أن تتسابق الصحون الجائعة مطالبة بحصتها! .. أضواء الفلاش كانت تنار بكل ثانية من أغلب الحاضرين كذلك .. ملتقطين صورا لبعضهم وأنفسهم كتذكار.
- كولتن تعال لنلتقط صورة معا!!
سحبت ذراع حبيبها -كولتن- تشد عليها بين خاصتها بود، فقد كان مسؤولا عن تقطيع الكعكة التي نجحت بتخليد ذكراها وهي حية .. والآن هي مجزئة توزع بين ذوي البطون الجائعة، لهذا حاولت ألا تقتطع من وقته الكثير.
مال جسده قربها .. كما تحركت مقلتاه للتحديق بها و-فلاش!- ... تردد صوت وميض الكاميرا بلا توقف اتجاههما .. بوضعياتهما العفوية والابتسامات تحتل الوجوه.
الأضواء الملونة تسللت فيما بين المنعمين بلحظات الجنون تلك .. الضحكات تتخلل جل حواراتهم ... والمسرة من أعينهم اللامعة تهمع، بتلك اللحظات .. واقع كل واحد منهم خارج المبنى بانتظاره، المشاكل وعقد الحياة كلها مصطفة جوار بعضها في ذلك الجو بارد .. تراقب تساقط ندف الثلج لفترة من الزمن علها تشغل نفسها إلى حين عودة ضحاياها لواقعهم.
النشاط الذي كان ينبعث من مقيمي الحفلة جذب اهتمام باقي الحاضرين داخل القاعة .. فأصبح كل شخص يلمح ڤايلز يزف تهانيه عليها، ملكة الليلة كانت ... ورجلها الغيور بذلك غير معجب، لهذا لزم جوارها .. لم يفكر حتى بتركها تطؤ مكان رائحته ليست به، كالأسد يود أن يحذر أترابه لمن هي تعود!!
الكاميرا المتموضعة بحواف الجدران تسجل كل شيء ... بشاشتها السوداء الصغيرة تنعكس الأضواء ولمعان فساتين النساء أسفلها، كل الصور تصل بوضوح في شاشة تلك الحقيبة الالكترونية أمامه، عيناه الحادة تتبع خاطفة الأضواء دون كلل ولا ينعكس على بؤبؤتيه غير أضواء الحفل ولمعان الليزر، يتكئ بذراعيه على ركبتيه في حركة مريحة له ... عبرها يستطيع أن يضخ كل تركز على هدفه كما لو يشاهد برنامجًا تلفزيا مثيرا للحماس ... لكن ملمحه الجامد لم يعبر عن أي نوع من الأحاسيس.
أصوات أكل ترددت قرب مسمعه .. اقتربت اكثر شيئا فشيئا حتى أضحت القرمشة تضرب طبل أذنه، ورائحة الملح الباردة تخترق اجيب انفه .. هذا جعله يدير مقلتاه للمصدر مستغربا .. فأعادت -ناتيا- عدّ خطواتها للخلف بعيدا عنه في حين أن غرتها تهتز مع كل حركة تصدرها .. أما عن ثغرها فعمل على إطلاق بضع القهقهات الجافة، انسجامها مع ما يشاهدانه جذبها للتدقيق بشيء ما .. حتى تجاوزت الحدود بلا إدراك.
- إنك توجه الشاشة بأسرها اتجاهك فأين لي مجال لأشاهد أنا أيضا!
بررت نفسها بنبرة خافتة وما لرد منه تلقت، فتجاوزت الموقف سريعا والتفت تحمل بين يدها لوحا الكترونيا .. اخدت تمرر سبابتها عليه، ثغرها لايزال يعمل على كسر المكسرات التي ترميها إليه ... فيُكسر سكون الغرفة بالقرمشة العالية التي تصدرها.
- حقا هناك شيء بها يحيل أنها جندية سابقة من المستوى الرفيع! ... بئس سلوكها الذي لا يوافق مهاراتها .. عملة ذهبية تؤذي عينك بلمعانها!!
ملف يحمل معلومات كاملة عن حياة المعنية بحديثها ينعكس تقليبها لصفحاته على زجاج نظاراتها الطبية .. تعيد النظر لتفاصيله تأكدا من عدم غفلانها لأي نقطة.
- إنها حبيبتي السابقة.
اعتراف -كوريليان- أصاب المستمعة بالاختناق .. إذ تسللت احدى المكسرات لحنجرتها متجاوزة مرحلة الطحن والكسر بين اسنانها خطأً، فاحتاجت وهلة لتنقذ نفسها ولأنفاسها تستعيد .. أما عنه فما اهتز قلقه حول وقع الصدمة عليها.
- المزاح لا يعرف طريق كورساكورف .. فهل تاهت بك الطرق إليه؟ هذه ليست بمزحة ولا أقرب لها حتى! ... هذه أحد أسوء نقط ضعفك حقا.
علقت تصارحه بشفافية متخدة مجلسا جواره .. لذات مكانها السابق حيث تركت مسدسين لها .. كلاهما مفكك على الطاولة الزجاجية المقابلة لموضعها.
- من قال أنها نكتة؟
تمتم بانزعاج للتكذيب الذي تعرضت له كلماته وهي بعدُ غير مصدقة.
- أعني كيف لك حتى أن تخرج نكتة من شائعة تافهة كتلك؟ .. يستحسن أن تقوم ببعض الدورات التعليمية عن كيف ترمي نكتة تقتل المتلقي بالضحك لا بالاختناق!
بطرف عينها لمحت حركة منه .. تترقب رده للكلام المازح الذي ألقته -عله يضحك!-، إذ به دوي طقطقة سلاحه تردد ونحوها أشهره .. ألحاظه المستشيطة غيظا تحدجها كفوهة ذلك المسدس، مستعدة للإطلاق عليها مباشرة حيث جبينها لو استمرت بنطق سخافتها الغير مضحكة له.
- أعيدي قولك؟
تصلب جسدها بوضعيته ولقناع اللهو عنها رمت تاركة ملمحها عاريا .. بلا اي شعور واضح، فقد تداركت العاصفة السوداء التي تحومه .. مشحونة بالسخط، فلا مجال للسماح لمجاري مزاحها بالمرور.
أنقذ لحظتها طرق مجهول لباب الغرفة .. وقد تلاه طرق كعب أسود للأرضية اثر دخول صاحبته، استجمع كوريليان نفسه واقفا واهتمامه همع عليها .. أشار لها لتقفو أثره بطاعة، فكان مجمعهما بأحد أركان الغرفة الراقية ... وناتيا بلا اكتراث لهما استمرت بتجميع مسدسيها بعد أن عادت أطرافها للعمل، فأخدت تتأكد من استعدادها الكامل وحملها التام لحاجياتها.
الأسد عن لبؤته ضاع ... وما هي مدركة لغيابه، الفتيات حولها في حلقة هي مركزها .. يعشن لحظتهن تحت جناحي -النيرفانا- المؤقتة، خصلاتها الغرابية تداعب من الهواء الناتج عن هزها لرأسها يمينا وشمالا مع ترددات الموسيقى وهن بتصفيقاتهن يعززن لها.
- عيد ميلاد سعيد ڤايلز! ... ڤايلز!! ... ڤايلز!!
انتهاء نشاطهن أعلى صدى ضحكاتهن بين ترنيمات الألحان .. ليتفرق مجمعهن وكل لحيث تستعيد بضعا من طاقتها اتجهت، ڤايلز وبضع صديقتين لها تحركن للعودة حيث ركنهن .. إذ بصديقة أخرى كانت بانتظارها بالفعل، سحبتها جانبا تبصق لها ما بجبعتها من خبر وبسبابتها تشير في الهواء.
- لقد أخبرني كولتن قبل وهلة وحسب ... يود لقياك خارج الحفلة ..!
- أين؟!
صرخت ڤايلز بعدم فهم مبعدة خصلات شعرها عن أذنها .. كما لو كانت الغطاء الذي يمنعها عن التقاط كامل كلامها، لكن إعادتها للقول جعلها تستوعب رسالتها .. فأومأت بادراك تام لحديثها مغادرة قاعة الحفل، تعدل حزام حقيبتها على كتفها وبكفها الأخرى كأس زجاجي تحتضنه اناملها برقة، مسار وجهتها مخطط بفكرها .. فكانت تتبع المخطط وحسب. وبعد تجاوز عدة أروقة توقفت بها ساقيها بركن لطلب ملئ كأسها.
- سأدفع ثمنه!
يد رجولية سبقت خاصتها لتدفع بدلا عنها، وبنظرها للفاعل التفت لتكمل وجهتها دون كلمة .. لذا القلب الطيب، فصرخ بها هذا الأخير.
- ڤايلز! .. أحقا ستغادرين هكذا بلا أي تعبير عن امتنانك؟
- ليس وكأنني فقيرة طلبت دفعك لمشروبي .. أنت من اخترت.
حصل هو الآخر على مشروب له باستعجال لتتبعها إلى أن استطاع مواكبة خطواتها، حاول جاهدا سحب انتباهها وهي حيث ما وُجد لبصرها أشاحت.
- هيا نحن زملاء عمل .. رغم كل الشجارات لابد من المجاملات الودية أن تمر بيننا!
خطواتها توقفت عن التقدم في غفلة منه .. وعادت نحوه تحاصره مع الجدار رغم طوله عنها بإنشات، تلك الشرارة التي اندلعت من مقلتيها الحادة والهالة السوداوية .. هزت تباثه.
- جافن .. الليلة ليلتي ... فلا أود من استفزازاتك السخيفة أن تكسر حسن مزاجي وهب عني فإنك لشَرّي بعد ما لقيت!
كان تهديدا مباشرا جعله يهز رأسه بتفهم .. فقط حتى تبتعد عنه وتفك حصارها له، وما إن فعلت .. وتنفس .. وعاد شعور الأمان إليه قاطع رحيلها بخبره.
- كنت أود فقط إيصال خبر لك عن حبيبك كولتن!
ذلك الحاجز الذي رماه كسر من قبلها دون مبالاة لمقصده ... أكملت طريقها لوجهتها، تاركة إياه مكسور النفس والعزة للقمع الذي تعرض إليه .. إلا أنه ما استسلم.
وصلت حيث وجَّهَتها الأخبار بأن حبيبها بانتظارها .. لكن ما من أحد، خالجها استغراب أثقل وتيرة سيرها .. وأسرع من تفحص مقلتيها للأرجاء بحثا عنه، تلقائيا يدها تحركت لتفقد هاتفها .. لعلها تلقت رسالة منه وما انتبهت .. مكالمة ما ربما؟
- أنت حقا لا تصدقينني! .. هو ليس هنا!!
جافن خلفها .. حيث حطت قدميها خطى، غير مفارق إياها وهي له تصد .. ترميه بنظرة قاسية فيزداد عبوسه.
- أعني .. أعلم أنك تكرهينني ... وأنا أكثر!
- فأقل علَي بهرائك واتركني وشأني!
باغثته باستدارتها إليه حتى اختفت انفاسه بلا ادراك منه .. أما جسده فقد انسل للخلف في ثانية اثر القبضة التي كادت تلكمه، كان باستطاعته التقاط تمتماتها باللعنات عليه .. تخرج من بين اسنانها المصطكة بسخط لازعاجه.
- لقد رأيته مع إحداهن! .. غيرك طبعا.
خلاياها أطلقت انذار أسقط بوصال مشاعرها أرضا ... قدميها أمسكت مكابحها وإنتباهها إليه وجهت، منحته الإشارة ليكمل .. ذلك ما جعل الغرور يدغدغ أرنبة أنفه فهز رأسه مفرجا عن ابتسامة نصر ... كفيه عدلت ثيابه الأنيقة كما عدلت أطرافه وقفتها، وبعد خطفه لنظرة سريعة لمن حولهما أطلق إشارته الخضراء لتتبعها.
كانت خلفه .. هادئة كالسلام، جافن يسبقها بخطوات .. وبين الفينة والاخرى يطل عليها من فوق كتفه، يأخد فكرة حول وضعها .. ولا تعبير ساعده على تخيل مزاجها، باردة كما عهدها ... تحتاج وحسب لمحلول حتى تتفاعل معه .. وتنفجر، دماغها أصابه سكون مريب ... لا افتراض يقدم جواب لما هي تساق إليه .. -تساق إليه- من طرف جافن.
سيره تعرقل بالتفافهما لذلك الرواق الذي لمحه به .. حتى أنه تلقائيا سحبها للاختباء، فما عاد يظهر منهما غير الرأس المثقل بالفضول.
- لايزالان هناك بنهاية الممر!
علق بخفوة ومقلتاه قد عبرت عن اندهاش صادق خالجه، ما أدركه أدركته .. وما أبصره أبصرته، وصدى سقوط بلورة الثقة التي كونتها تجاه كولتن .. يتردد من باطن مسمعها كفحيح حاد .. تلاه صخب وقوعها أرضا .. وانتشرت شظاياها التي هجرها النور منذ تحركها من مكانها .. أضحت سوداء تطلع للصخر بلا قيمة ولا فائدة، إنهارت كل ظنونها ومعتقداتها .. نظرتها لابن جيرانهم .. من كان حبيبا، أثقل أنفاسها من هول الصدمة.
ألحاظها اتخدت نظرة قاتلة بينما اندفعت نحو الثنائي .. في مسار مستقيم نهاية شعاع يشير على ظهره لا غير .. "ظهر كولتن .." .. ذلك اللباس "لباس كولتن .." .. تلك الضحكة "ضحكة كولتن .."، لم تنتظر قَطع تلك الثلاث خطوات التي بقيت بينها وبين جسديهما ... أو حتى طلب حجج إضافية حتى تصدق الأطروحة التي تقابلها، كفها الممسكة لكأسها قد شدت بأناملها عليه وتحركت دون أن تدري .. مواكبا لقولها بازدراء.
- حقا يا كولتن! .. ابن الماما خاصته يعرف كيف يخون!
🎀
صرخة أنثوية ترددت بين تلك الجدران وأشلاء الزجاج تناثرت بالأرجاء، أنفاس حارة تمر مع رأتيها .. الدماء تسرع المرور بعروقها، قبضتيها أمسكت ذراعه وفي لحظة حلق جسده مع الهواء ليرمى أرضا بقسوة جعلت جافن المشاهد من بعيد يتأوه ألما بدلا عنه ... أما الفتاة لارتعابها من هذه السلوكات العنيفة استمرت بالصراخ .. كإنذار حريق ما سدت ثغرها!
كولتن شعر وكأن الكهرباء انقطعت .. أو ربما أحدهم أغلق الأضواء!، أسفل رأسه ظهر خيط رفيع من الدماء الحمراء، نسبة الأوكسيجين حوله تنخفض شيئا فشيئا ... أما ڤايلز فقد توقفت تستعيد ما خسرته من أنفاس لحمله .. وأبعدت عنها ما أزعجها من خصلاتها السوداء .. متعمدة تجاهل الشابة التي ترتعش خلفها، فاتخدتها هذه الاخيرة فرصة لانقاذ نفسها والهروب ... -زحفا- إذ فشلت ساقيها بحملها.
- من .. أغلق الأنوار؟ .. من .. الأنوار! ... أُمـ ماي؟؟
كانت ترديدات كولتن تصل لمسمعها وهي في خضم خلع حقيبتها .. لكن بشكل ما قررت اعتراض قرارها فعلِقت بفستانها لثوان ضاعفت غضبها.
- ها؟ .. من أغلق الأنوار؟ ... دعني أعلمك شيئا قبل أن تعود -لأماك!-.
عيناها أظلمت وبأطرافها ما عادت تتحكم .. كانت لحظة -انفجارها- ... تلك اللحظة الحقيقة التي يعرفها جافن عنها، تلكم وتركل كل ما ظهر لها من كولتن .. فرفع ذراعيه لحمايته قدر الامكان رغم ثقل حركته .. تكور حول نفسه تلقائيا، وبالختام وجدت نفسها تشد على رباط حقيبتها الذي ادارته حول رقبته، وثغرها يهسهس للذي لمعت ألوان الطيف بمحياه.
- أترى الانوار الان؟ .. هل تراها!؟ ... أجل .. إنه نور الموت!
جافن تدخل -فعليا- وأخيرا بيديه مبعدا اياها عنه ... فبداية .. هو اقترب بحذر على نفسه .. يرمي كلمات عابرة راجيا تهدأتها من بعيد، فما نجح.
إدراك ڤايلز لقبضتيها الملطخة ببعض الدماء، علاوة على تلك البركة التي تكونت أسفل جسد -الخائن-، جعل نار غضبها تضمحل ببطئ إلى حين اختفائها .. استسلم جسدها لفعل الجر الذي أقيم عليه من قبل جافن، تاركين الشبه مغمى عليه للغرباء الذين وفدوا اليهم لتوهم، رمى عليهم جافن بعض الحقائق حول ما حدث .. يضمن بذلك ... بنسبة متوسطة، عدم ولوج اسم ڤايلز بسجلات خطيرة مع الشرطة أو أمن المبنى.
🎀
- كدت ترسلينه للسماء وترسلي نفسك حينها للسجن! .. هل لك عقل هنا حتى؟
عتابه ظل يمطر عليها، لم يتوقف إلا دقائق للتنهد .. استرجاع روحه .. واستجماع افكاره، هي دافعت عن نفسها ... ولمرتين هي ترددت عن الاستمرار في هذا الرحيل والعودة لكسر عظام الخائن، فترجع عن قرارها ذاك بفضل تكتيكاته المخادعة لتهدئة أعصابها عن التركيز بما سبق ووقع.
- ما قولك أن تخرجي لحيث الهواء الطلق .. عل الراحة تزورك؟
نبرته الخافتة رقيقة على المسمع .. تخلج المستمع براحة ورغبة لاستقبالها مرة أخرى، بين يديه كفها المجروح يمسح من عليه بقايا الدماء بلمسة دافئة .. مقلتاه على ما يفعله ترتكز وهو في خضم تقديم اقتراحه للتي تستنشق وتزفر أنفاسها بثقل، ألحاظها لمعت بتردد لما طرحه .. لتهز رأسها بإيجاب تقبل اقتراحه، ربما فكرة العودة للحفل حالا .. بوضعها هذا، سيفاقم دفقة عواطفها مستقبلا .. لهذا يستحسن أن تسمح لها بالرحيل اولا قبل العودة لحيث -النيرفانا- بانتظارها، فدس المنديل بقبضتها مبتسم الألحاظ.
- هيا بنا!
همسه لحقه تحركهما لوجهتهما. موقف جافن الآن أضرم شعلة خفية تمثل نظرتها الجديدة عنه، ذلك الزميل الذي كل منهما في استعداد لأي هجوم من الاخر .. كل من حولهما يلتقط الرائحة الكريهة للعداوة التي تنبعث من علاقتهما، هو الآن يتصرف بود .. مرتبك وحذر بانتقائه لكلماته عكس طبيعته العدوانية والفظة، إلا أن شعلته ما كانت بقدر شعلة كولتن لتلتهم خلاياها بالكامل.
قارورة المياه التي حصل عليها وهما بطريقهما كانت من نصيبها، بتلك الشرفة الأشبه ببار مصغر يحط الهدوء أوتاده ... السكينة تتخلل الحاضرين القلة فيكسره عزف الرياح الشبه قوي عبر الاعمدة المعدنية التي وضعت له، الأجواء باردة تطلع للجو القارص .. وما هي بمتحسسة لأي برودة فبصدرها حمم بركان انفجر بعد ما حدث، لا العين فاضت .. ولا الفاه اشتكى، احبالها عند اسمه تُقطع .. فلا حرفا تنطق، لهذا هي بكل دقيقة .. ترتشف من القارورة لتبلل حنجرتها وعسى الاشواك التي علقت بها تمر بمساعدته، فقد أقنعها جافن بعدم أخد أي مشروب كحولي حاليا على الأقل!
جالس جوارها يضم يديه ولما يقابله يحدق .. ما جذب أية اطراف حديث بنية منحها لحظتها الخاصة بعيش صدمتها براحة، غير انه استغرب لعدم صدور أي صوت منها، لا دمعة لمح بطرف عينه ولا شهقة التقط! ... فكان الفضول يبصق بوساوسه ليستدير كاملا ويرى حالة وضعها.
عَكْس وضعيته هي كانت عائدة للخلف .. ظهرها مدعوم بالكرسي ورأسها مطأطأ ما اعاقه على رؤية ملمحها جيدا، القارورة التي منحها إياها قبل دقائق بحِجرها، بقيت بها بضع رشفات وحسب، فارتأى أن اللحظة المناسبة للمغادرة قد حانت!
- ڤايلز .. أتودين العودة لحفلتك الآن؟
أخدت ثوان لتلتفت إليه بألحاظ شبه نائمة .. فارتعشت جوانب شفتيه بابتسامة خفية، ڤايلز لم تقل حرفا .. لم تصرح برأيها ولا ردت، تصلبت بذات وضعيتها الجديدة في حين أن جافن استقام .. وضع حقيبتها على كتفها وعدل سترتها الخفيفة على كتفيها .. امسك قارورة المياه أسفل إبطه وسحبها خارج ذلك البار. يمسك احدى ذراعيها ويوجهها.
- دعينا نعدك لحفلتك .. لابد أنهم يبحثون عنك!
دماغها ميت .. اطرافها تتحرك بلا أمر منه، بل تواكب تحركات الدماغ المتلاعب الذي جوارها، ساقيها بين الخطوة والأربع تصبح هلاما .. فيعجل جافن بامساكها ومساعدتها على المشي بطبيعية، علاوة على ذلك رأسها استمر بالتأرجح شمالا .. يمينا، فاشتد الوضع على جافن قلقا من توقف تشغيل جسدها قبل أن يصل لهدفه!
بذات الطابق التف مع الممرات ومقلتيه الزرقاء ما توقفت عن الدوران حول محيطهما .. يراقب المار .. العميل والعامل .. كل من رمت عليه وساوسه بريق الشك، ولجا معا لحيث الباب المتوج بإشارة حمام الرجال .. إلا أن الطاقة التي ستحملق بها حول الجدران وتلتقط التفاصيل .. التهمها جافن المختنق بهواجسه.
نهاية الحمام الواسع يتكئ رجل أصلع الرأس ... يشاهد جافن الذي تنهد بتعب بعد وصوله، أبعد قبضته عنها فهوى جسدها أرضا .. بلا حراك، حينها نثر الأصلع سيجارته واستقام من مكانه.
- هاهي ذي! ... أموالي الآن من فضلك.
جافن من بين أنفاسه نطق وهو يدعك رسغه، الرجل تجاهله .. طرق باب مرحاضين جواره .. أحدهما انفتح بذات الأوان ليظهر رجل آخر، بشكله الخارجي الذي يوحي لرجال العصابات، أما الباب الآخر فما انفتح ولا صوت منه صدر.
- وأخيرا تم صيد الثعلب الذي أرهق الكلاب!
كلماته الساخرة تم نطقها وهو ينحني حيث هي .. هز رأسها بنوع من التقزز، كما أبعد بضعا من خصلاتها التي سترت خلقتها .. نغز وجنتها بامتعاض .. كما لو كان يستكشف مجسما بلا حياة، رفع رأسه ختاما يسترسل جافن الذي تسللت لقلبه خنقة للتمطيط الذي يقومان به هذان .. يشعر بأنهما يتعمدان تأخيره!
- كم جعلتها تشرب؟
- القارورة بأكملها .. الآن هي بين ايديكم، الاتفاق من جهتي وقد تم فأين هي اموالي؟
- هيه أنتِ؟ .. هل تسمعينني؟؟
تجاهله رجل العصابات أيضا .. اما الأصلع فقد عاد لمجلسه مخرجا سيجارة أخرى له .. دون أي اكتراث لحوارهما، ڤايلز بعد النداء الصارخ الذي تلقته .. والهز القوي الذي تعرضت له تحركت ... رفرفت جفنيها مصارعة لفتحها، إلا انها تعود للانغلاق بلا اي امر منها، تود الحديث لكن لسانها متصلب بداخل فاهها.
جافن قلقه ما ترك مسامعه .. يهمس له باستمرار، فكان يلف رأسه بكل ثانية تفقدا للمدخل، يخاف قدوم أحدهم ... ربما احد العمال فَيُتَّهم بمحاولة خطف التي من المفترض ان الرجال الاخرين هم من ينفذونها!
-إن كنت عالقا مرر لي النقود التي معك!
الأصلع أردف بخشونة نبرته ما إن انتبه لتأخر زميلهم .. هز بابه مرة أخرى بقسوة وانحنى لحيث تلك الفجوة التي بالأسفل، ادخل يده وتحاشا التقاط أي نظرة لما بالداخل، الجواب ما أتى .. وقبل ان يتدارك ذلك ... على حين غرة هربت من بين شفتيه صرخة رجولية .. متألمة للدعك القوي الذي بوغتت به كفه، هذا جذب انتباه الآخرين .. حتى ڤايلز، لمحت من بين جفنيها كعب اسود يضغط على كفه، فيزيد من زئيره، دقاتها الثقيلة تهز قفصها الصدري بكل ثانية ... والنوم على شفا إلتهام آخر خلايا مستيقظة بدماغها.
- ما المشكلة معهما؟
رجل العصابات غمغم دون مغادرة مقعِده .. واكتفى بلف انظاره بسخط للازعاج الذي يصدره صديقيه، يعلم انهما لا يكتفيان من المزاح السخيف لبعضهما .. لم يشك باي شيء، عكس جافن الذي سريعا ما نزل ارضا يتفقد ما يحدث لكف الأخر، فارتفع بدله جسد ڤايلز في غفلة منهم ... مرفقها ارتفع يعيد لف رأس القريب منها لعكس اتجاهه، وزحفت بآخر ذرة قوة حافظت عليها إلى المرحاض تغلق على نفسها .. صدرها مختنق ووعيها على وشك خذلانها، فتحت حقيبتها تحت صوت الطرقات التي تكاد تكسر الباب ... اناملها بكل لحظة ترتعش .. يصيبها شلل، فتعض شفتها السفلى بأمل إعادتها للحياة.
قلبها ينبض بثقل .. وبكل نبضة يهتز قفصها الصدري مقابل الصخب الذي كان يثيره الرجال خارجا، هاتفها المشع بانذار لتلقيه اتصال من شخص ما غادر حقيبتها بعد معاناة، وهنا قررت أطرافها خذلانها .. ما عادت لها قدرة على تحريك أي جزء منها، علاوة على ذلك .. لم تدر إن كان هذا بسبب لحظات إغمائها حانت أم أن صخب الرجال خارجا اختفى فعلا، ظلت تلتقط بضع أصوات خفيفة تتردد بين الفينة والأخرى ... وأوضحُها نقرات كعب مع الأرضية .. "هذه نهايتي حتما!".
[2025-04-19| .. | كانت معكم مـاسِـهْ..]
***Download NovelToon to enjoy a better reading experience!***
Comments