كانت الأجواء داخل منزل الدكتور "كين" توحي بنهاية العالم؛ فالهواء صار ثقيلاً، والجدران التي شهدت ضحكات "كانيكي" يوماً ما، بدت الآن كأنها تضيق على صدر والده المنكسر. لم يكن هناك صوت يعلو فوق ضجيج التلفاز الذي انفجر بأخبار عاجلة هزت أركان المدينة بأكملها. تجمد الدكتور كين في مكانه وهو يراقب الشاشة، حيث ظهرت صور مشوشة للمتنمرين الذين اعتدوا على ابنه في ساحة المدرسة، ومعها شريط أحمر عريض كُتب عليه بكلمات تقطر دماً: "فاجعة في المدرسة الثانوية: مصرع الطلاب إثر هجوم مجهول.. واختفاء المشتبه به الرئيسي".
انتقل المذيع بلهجة حادة يملؤها التحريض ليقول: "تؤكد المصادر الأمنية أن الشاب 'كانيكي'، الذي استيقظ من غيبوبته الطويلة قبل شهر واحد فقط، قد تعرض لتحول جيني غامض حوله إلى وحش بشري يمتلك قدرات تدميرية خارقة للطبيعة. وبناءً على ذلك، تعلن السلطات العليا عن مكافأة مالية ضخمة قدرها مليون دولار لمن يدلي بمعلومات حقيقية أو يسلمه للشرطة حياً أو ميتاً".
لكن الرعب لم يتوقف عند أجهزة الدولة؛ ففي الجانب المظلم من المدينة، كانت المكافأة مغرية لدرجة لا تُقاوم. لم يكن الجيش والشرطة وحدهم من استنفروا قواتهم، بل إن رؤساء العصابات الإجرامية، الذين يحكمون الأزقة الخلفية، بدؤوا بملاحقته طمعاً في تلك الثروة الضخمة. وعلى رأس هؤلاء المتربصين كانت "عصابة الظلام" الأسطورية، التي يمتلك زعيمها قوة غامضة لا تُقهر ويسعى لتصفية أي تهديد لنفوذه. أصدر هذا الزعيم أوامره لنخبة قناصيه ورجاله الأشد قسوة لتمشيط الشوارع واقتناص كانيكي قبل أن تصل إليه يد العدالة، فالجائزة بالنسبة لهم ليست مجرد مال، بل هي وسيلة لإثبات سيطرتهم المطلقة.
في هذه الأثناء، كان الدكتور كين يرتجف بشدة، التقط هاتفه وضغط على رقم ابنه بيد ترفض الثبات، وبشكل معجزة وسط هذا الصخب، جاءه الرد. "أبي؟" كان صوت كانيكي مرتجفاً، يختنق بدموع الخوف، ويختلط بصوت الرياح العاتية التي تضرب الجبال. صرخ الأب بلهجة ملؤها الرعب: "كانيكي! اسمعني جيداً، المدينة قد انقلبت رأساً على عقب. لم يعد لك مكان آمن هنا. الجميع يطاردك كوحش، حتى المجرمون السفاحون وعصابة الظلام يبحثون عنك في كل زاوية ليقتلوك ويأخذوا الجائزة المالية الكبرى.. أرجوك، لا تفكر في العودة، اختبئ!".
أغلق كانيكي المكالمة وهو يشعر بانهيار العالم فوق رأسه. مرت أيام وهو يختبئ خلف صخور الجبال الصماء، يصارع الجوع والبرد والخوف، لكن قدره كان يلاحقه. تم رصده أخيراً بواسطة طائرة استطلاع حرارية. "هناك! تم تحديد موقع الهدف في الزاوية الشمالية للجبل!" صرخ أحد قادة الوحدات الخاصة عبر اللاسلكي. انهمر الرصاص باتجاهه كالمطر الغزير، محولاً الصخور من حوله إلى شظايا. حاول كانيكي يائساً أن يستجمع تلك القوة التي قذفته إلى هذا المكان، صرخ وهو يغلق عينيه: "تفعلي! أرجوكِ تفعلي!"، لكن جسده المنهك خذله، وكأن الضوء بداخله قد انطفأ عندما اشتدت الحاجة إليه. انقض عليه الجنود بقسوة، طرحوه أرضاً، ووضعوا الأصفاد الحديدية الثقيلة في يديه وهو يئن من الألم والعجز.
وبينما كانوا يجرونه نحو الطائرة العسكرية، وفي لحظة اليأس القصوى التي ظن فيها الجميع أن "كانيكي" قد انتهى، حدث ما لم يكن في الحسبان. شعر بضغط هائل ينفجر من صميم جيناته، كأن النيزك الذي سقط فيه قد استيقظ مجدداً. فجأة، انفجر من جسده ضوء أبيض ساطع بقوة تفوق الخيال، ضوءٌ أعمى أبصار الجنود وأحرق أجهزة الرؤية الليلية وشلّ حركتهم تماماً. وفي لمحة بصر، اختفى من بين أيديهم كبرق خاطف، محطماً الأصفاد كما لو كانت من ورق خفيف.
بدأت مطاردة ملحمية لم تشهدها السماء من قبل؛ طار كانيكي بسرعة الضوء يمزق الأفق، محولاً الليل إلى نهار بوهجه المتوهج. كان يحارب طائرات الشرطة المجهزة بأحدث التقنيات وقوات العصابات المسلحة معاً، مستخدماً قبضات مشعة تخلف وراءها دويًا انفجارياً يطيح بالآليات الثقيلة ويصهر الدروع الفولاذية. استخدم سرعته الخارقة لتفادي الصواريخ المتتبعة للحرارة، تاركاً خلفه خطوطاً ذهبية في كبد السماء. وأحيأناً، عندما يشعر أن طاقته بدأت تتلاشى ويخبو بريقها، يضطر للهروب والاندفاع بين الأزقة الضيقة والمظلمة في أطراف المدينة، يختبئ في الظلال الموحشة وهو يلهث، ينتظر اللحظة التي يستعيد فيها توهجه ليعود ويشن هجوماً مضاداً بضوء يبث الرعب الخالص في قلوب كل من تجرأ على مطاردته، سواء كانوا رجال قانون أو شياطين من عصابة الظلام المتربصة.
***Download NovelToon to enjoy a better reading experience!***
Comments