هوية رجل العصابة

بينما كانت الرصاصات المصنوعة من الكروم الصلب تمزق الهواء من حوله وتخلف ثقوباً عميقة في جذوع الأشجار القديمة، تحرك كانيكي كخيط من نور سائل، يتلوى بمرونة مذهلة ليتفادى الموت المحقق بأجزاء من الثانية. كان يشعر بحرارة الطلقات تمر بجانب أذنيه، لكن سرعته التي اكتسبها من تدريباته المكثفة جعلته يبدو وكأنه يرقص وسط عاصفة من المعدن المدمر. توقف كانيكي فجأة، واثباً فوق غصن شجرة ضخم كان قد احترق جزئياً أثر الانفجارات، ووقف هناك وعيناه تشعان بوهج ذهبي حاد يخرق العتمة، ثم صرخ بصوت يملؤه الغضب الممزوج بالحزن والتساؤل: "من أنت؟ ولماذا تصرون على ملاحقتي وقتلي وكأنني وحش كاسر؟ أنا لم أؤذِ أحداً عن قصد، وكل ما أريده هو أن أُترك وشأني!"

توقف رجل العصابة عن الإطلاق فجأة، وساد صمت مرعب لم يقطعه سوى صوت طقطقة النيران في الحطام. ارتسمت على وجهه ملامح الغرور المطلق والقسوة التي لا تعرف الرحمة، ثم مسح الغبار عن درعه وأجاب بنبرة باردة كالثلج: "سؤال جيد يا فتى، وبما أنك ستموت قريباً، فلا بأس بأن تعرف من سيقبض ثمن رأسك. اسمي كينزو، وأنا من نخبة المقاتلين في عصابة الظلام، المنظمة التي تحكم خفايا هذا العالم. أما عن سبب ملاحقتك، فالأمر لا يتعلق بالعدالة أو الانتقام؛ الأمر بسيط للغاية، هدفي هو قتلك لأحصل على المكافأة المالية الضخمة أنا وزعيمي، فمليون دولار كفيلة بجعلنا نلاحقك إلى نهاية الكون".

صمت كينزو قليلاً ليشاهد علامات الذهول والاشمئزاز على وجه كانيكي، ثم تابع بلهجة تعليمية ساخرة وكأنه يكشف سراً مقدساً: "ولعلمك يا فتى، أنت لست الوحيد الذي استمد قوته من الفضاء، فأنا أمتلك هذه القوى لأنني أخذت قسماً من النيزك الذي سقط في المختبر. ذلك النيزك لم يكن مجرد صخرة فضائية، بل كان يحمل قوى العناصر الأساسية التي تشكل الكون. لقد انقسمت قواه إلى الماء، النار، الهواء، الأرض، البرق، الجليد، الضوء الذي تحمله أنت، والظلام، والطبيعة، وأخيراً عنصر المعادن الذي أملكه وأطوعه كما أشاء لأسحق أعدائي". ثم أضاف كينزو وهو يضيق عينيه بتهديد: "أما رئيسي، فهو كابوس يمشي على قدمين؛ عملاق ضخم يبلغ طوله ثلاثة أمتار ونصف، ملامحه مخيفة لدرجة تجمد الدماء في عروق أشجع الرجال، وهو يمتلك عنصر الظلام المطلق الذي يبتلع كل شيء. إذا قتلتك اليوم، سنتقاسم أنا والزعيم تلك الجائزة ونبني إمبراطوريتنا فوق جثتك".

لم ينتظر كينزو رداً من كانيكي، بل هجم عليه مرة أخرى بشراسة جنونية. وبحركة سريعة من يده، مد طاقته المعدنية نحو محيطه؛ فحوّل الأشجار الضخمة التي كانت لا تزال قائمة إلى معدن "التنجستن" شديد الصلابة والكثافة، مما حول الغابة الخضراء إلى غابة من الفولاذ القاتل. اقتلع تلك الأشجار المعدنية بقوته الجبارة ورماها نحو كانيكي كأنها قذائف مدمرة قادرة على سحق جبل. لكن كانيكي، وفي لحظة تجلٍّ كاملة لقوته وانفجار لإرادته، ركز ضوءه بين كفيه ليصنع سيفاً طويلاً من النور الخالص، شعاعه يقطع العتمة ويمتد لعدة أمتار. وبحركات خاطفة وسرعة لا تدركها العين، بدأ يقطع الأشجار المعدنية المتساقطة عليه كأنها أغصان هشّة، محولاً إياها إلى شظايا متناثرة تتساقط كالمطر المعدني.

استغل كانيكي سرعة الضوء وانطلق نحو كينزو كالسهم، وفي لمح البصر، مرّ من جانبه وسدد ضربة قاطعة ومباغتة بسيفه الضوئي، مما أدى إلى قطع يدين كينزو من عند المعصمين. صرخ كينزو صرخة مدوية من الألم سكنت لها طيور الغابة، لكن سرعان ما تحولت صرخته إلى ضحكة هستيرية مرعبة؛ إذ بدأت ذرات معدن التنجستن الموجودة في الأرض تتطاير وتتجمع حول جروحه بسرعة فائقة، ليعيد تشكيل يدين بديلتين صنعهما من المعدن الصلب والأسود، بدتا أكثر فتكاً وقوة من يديه الطبيعيتين.

انطلق الخصمان مرة أخرى في معركة طاحنة لا هوادة فيها، تبادلا فيها الضربات العنيفة التي هزت أرجاء الغابة واقتلعت ما تبقى من معالمها. كان النور يصطدم بالمعدن في مشهد أسطوري يضيء الأفق، واستمر السجال والاصطدام بينهما دون أي بوادر للكلل أو التعب، حتى بدأت خيوط الشمس بالانسحاب تماماً وراء التلال البعيدة وتسلل الليل ببطء ليسيطر على المكان. ومع غياب آخر بصيص للضوء الطبيعي، حلّ الظلام الدامس في جميع أنحاء الغابة، ليضفي جواً من الرعب والغموض على هذا القتال الدموي، حيث لم يعد يظهر في الأفق سوى وميض سيف كانيكي الذهبي وتألق قبب كينزو المعدنية التي تعكس بقايا النور تحت جنح الليل المظلم، معلنةً عن استمرار صراع لا ينتهي إلا بموت أحدهما.

Download

Like this story? Download the app to keep your reading history.
Download

Bonus

New users downloading the APP can read 10 episodes for free

Receive
NovelToon
Step Into A Different WORLD!
Download NovelToon APP on App Store and Google Play